شباب وصبايا لنك
مطلوب فورررا
مشرفين من كلا الجنسين
للمراجعة
https://www.facebook.com/swslnk

شباب وصبايا لنك


 
الرئيسيةمكتبة الصورس .و .جبحـثالتسجيلدخول

شاطر | 
 

 تاريخ الاردن وعشائره

اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
admin
Admin
Admin
avatar

عدد المساهمات : 1123
نقاط : 21628
تقييم الأعضاء للمشاركات : 171
تاريخ التسجيل : 02/05/2009
العمر : 30
الموقع : http://SwsLink.yoo7.com

مُساهمةموضوع: تاريخ الاردن وعشائره   14/11/09, 01:32 pm

تاريخ الاردن وعشائره / الحلقة السادسة

الجيش الاردني والعشائر الاردنية وحدهم حرروا القدس من الاحتلال الصليبي الثاني 1239م/
واسماء العشائر الاردنية التي شاركت في ذلك
تاليف د . احمد عويدي العبادي

توضيح من المؤلف

( الحمد لله الذي عافانا مما ابتلاهم به وفضلنا على كثير ممن خلق تفضيلا ) فلقد اطلعت بدقة وتروي على التعليقات التي نشرت على الحلقة الخامسة من كتابنا اعلاه . فاما من شتمني او اتهمني في مداخلاتهم فانني اتعامل معهم بالادب الرباني حيث يقول تعالى ( وعباد الرحمن الذين يمشون على الارض هونا واذا خاطبهم الجاهلون قالوا سلاما ) اما من يشتمون الاردن والشعب الاردني فقد قلنا اننا لانتسامح معهم وينطبق عليهم قوله تعالى ( كالكلب ان تحمل عليه يلهث او تتركه يلهث ) , وينطبق عليهم ايضا قوله سبحانه ( كالحمار يحمل اسفارا ) وقوله سبحانه(وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ قَالُوا إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ ﴿١١﴾ أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ وَلَـٰكِن لَّا يَشْعُرُونَ ﴿١٢﴾ وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ آمِنُوا كَمَا آمَنَ النَّاسُ قَالُوا أَنُؤْمِنُ كَمَا آمَنَ السُّفَهَاءُ ۗ أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ السُّفَهَاءُ وَلَـٰكِن لَّا يَعْلَمُونَ ﴿١٣﴾ ( سورة البقرة ) صدق الله العظيم

لااريد الحديث عن التعليقات العقلانية وتلك التي احتوت معلومات او تساؤلات او كلمات جادة فهؤلاء يستحقون الاحترام حتى ولو اختلفوا معنا في الراي , ولا اريد الحديث عن التعليقات الطلاسم التي لانفهم منها شيئا لا مع ولا ضد لانها مجرد كلمات عربية لامعنى لها لاشخاص عجزوا عن التعبير عن انفسهم وبالتالي قالوا كلاما لايفهمه حتى من كتبه , فهي طلاسم ولا استطيع فك رموزها .

ولكن حديثي سينصب هنا على من شتم الاردن والاردنيين في تعليقاتهم , بحجة انتقاد وشتيمة احمد عويدي العبادي , الى درجة ان هناك تعليقات تنطق بتكفير شعبنا من خلال اتهامي بالكفر و وبحجة وصفي بالعنصري والحاقد وعدو الوحدة الوطنية والمفرق بين مكونات المجتمع , علما انني اتحدث عن الاردن في فترة مابين 3400ق.م – 1910 ولا ادري ماعلاقة هذه الفترة بالوحدة الوطنية والعنصريةومكونات الشعب في الوقت الحاضر , فالفترة المشمولة في هذا الكتاب تخص الاردنيين والعشائر وحدهم ولا علاقة للاخرين بها لا من قريب ولا من بعيد .

, وقد وجدت نفسي مضطرا لاعادة قراءة الحلقة الخامسة مرة اخرى بدقة كما هي منشورة على السوسنة, لعلي اكون اخطات او اسات الى مكونات المجتمع بعد1910 , ولم اجد ولو جملة واحدة او عبارة او حتى كلمة واحدة ضد احد من الناس او ضد عشيرة او شعب في الداخل او الخارج كائنا من كان .

وادركت , وانا المدرك ذلك اصلا , ان الزمر الخرقاء والابواق الناعقة الماجورة دائما لمن يدفع اكثر ومجالس اللغو السياسي التي اكلت البلاد والعباد وتفرغت لخلق الاشاعات وتعطيل عجلة الدولة والتنمية الوطنية وخطة جلالة الملك المفدى حفظه الله ورعاه للاخذ بيد الوطن الى العصرنة الناضجة ليكون لنا مكان يليق بنا بين الامم وتحت الشمس , بل وهم يعطلون اي شيء يخدم الاردن ارضا وشعبا وامنا ونظاما , اقول لازالت هذه الزمر من المثبورين المرجفين يمارسون مهمات الوسواس الخناس المشينة والتشكيك والتكفير منذ سنوات طويلة ضدي شخصيا وضد الاردن , وتحولوا الى قطعان ضالة ( طرش بفتح الطاء وسكون الراء والشين ) ممن لم يبق لهم دور ولا مهمة بعد ان عاثوا في الارض فسادا وافسادا وظلموا وتكبروا وتجبروا وهم في مواقع المسئولية , فامتلات بطونهم من مال الحرام وطعام الارامل والايتام وصارت الثروة الحيوانية التي اهدروها في بطونهم الجرباء ( الهواريب / مفردها هاروبة ) تتحول الى الثغاء والرغاء والغثاء والعواء والمواء ( صوت القطط ) والفحيح ( صوت الافعى ) والنعيق لانهم اكلوا الجديان واالخرفان والبعران ( مفردها بعير ) والبوم والغربان والقطط والثعبان على انهم كانوا يوما اصحاب الالقاب والمراتب والمناصب , ويوهمون الناس الغلابى والمتسلقين والمنافقين انهم سيعودون الى المواقع والالقاب مرة اخرى , ولكن في جهنم ان شاء الله ..

هذه الزمر الخرقاء الذين تسللوا الى مواقع المسؤلية في غفلة من الزمن وهم يتظاهرون بالذلة والاخلاص والصدق , وعملوا ماكان يعمله فرعون والنمرود وامراة لوط وامراة نوح , فلما كشفهم صاحب القرار طهر البلاد منهم بقرار حكيم ومدروس , ومع هذا لازالوا يعيثون الفساد ويضعون العصا في دولاب عجلة حركة الوطن التي يسهر عليها جلالة الملك حفظه الله ورعاه . انهم يعملون ضد كل ماهو اردني او ابراز تاريخ الاردن واهله . هذه الزمر الافاعي وابناء الافاعي وقطعان الشياطين يحلمون بالعودة الى مواقع القرار مرة اخرى , وانهم يرون انه لا عودة لهم الا باثارة النعرات وخراب البلاد , من خلال مهاجمة الاردنيين بحجة مهاجمة احمد عويدي العبادي وهم الذي يكتبون الشتائم على مكونات المجتمع الواحد لانهم كالجراثيم لاتعيش ولا تعشش الا في الاجواء الموبوءة .

فانا اكتب عن بلدي وشعبي في فترة تاريخية معينة ( 3400 ق .م –1910 ) ولا اتلقى توجيها الا من ضميري , وارفض ان اكون من شللياتهم ورفضت ذلك عندما عرضوا علي وهم في مواقع القرار ودفعت الثمن بسبب وطنيتي ورفضي التبعية لهؤلاء البالونات النفوخة , اقول دفعت الثمن ظلما وزرا وبهتانا , فكيف بي الان وهم في الدرك الاسفل من الذلة والماهنة والتحالف مع اعداء الوطن والنظام والشعب ؟ . فانا لااتامر وليست المؤامرة في عقليتي . انا شخص وطني متدين عروبي , ضحيت من اجل بلدي وشعبي وهذا ماستدركه الاجيال القادمة . قالتاريخ لايرحم ولا يغفر قلماذا هذا الغضب والحقد والشتائم على الوطن وحملات التشكيك بنا كوطن وهوية وشعب وكيان وثقافة ؟ . وهل كان الوطن بخير عندما كان هؤلاء يمسكون بزمام الامور وقد دمروا سمعةالبلاد في الداخل والخارج ؟ واساءوا للشخصيات المخلصة للوطن والعرش وادعي انني احد هؤلاء المخلصين الذي دفع ثمن الافتراء الظالم . اننا لازلنا نعاني من بلاويهم وسنعاني لفترات طويلة قادمة ولم يسمعنا احد عندما قلنا راينا فيهم بل الذ تبين صدقه ودقته . ولكن الذي حدث انه تم السماع منهم عنا وليس السماع منا عنهم والى الان , ولا حول ولا قوة الا بالله العلي العظيم , وان المقصود ليس شخصي , وانما المقصود النظام وشخص الوطن وشخص الاردنيين والهوية الاردنية .

اذن نحن نتعامل مع داء سقيم مستديم لاينفع معه دواء , وان مثلي لايهمه ذلك كله , فقد تعودت عليه ولم يعد يعني شيئا بالنسبة لي , فانا اتعرض لحملة دائمة مستديمة من هذه الزمر الخرقاء منذ مطلع عام 1983 وكلما ذهب فوج من هؤلاء المسئولين الحاقدين واستبشرنا بالفوج الجديد واذا بهم جميعا قارءون على شيخ واحد , كلما دخلت امة لعنت اختها وانا ادفع الثمن فقط لانني صادق ومخلص وصاحب فكر وراي , وهم لايريدون الا التنابلة والمطيباتية والذين يقولون ( كل شيء تمام ياصدام ) . ولكن يجب الدفاع عن الوطن والشعب في وجه هذه الحملة الحاقدة التي لامبرر لها سوى ان اسم الاردن واسم احمد عويدي العبادي يسبب لهذه الزمر المطرودة من المسئولية غثاء وهذيانا , زادهم الله شتاتا واشتاتنا وهذيانا ونسيانا وخيبة ونقمة اميي يارب العالمين . هؤلاء الرهط المفسد الذين ولى زمنهم الى غير رجعةان شاء الله وهم يحسبون انهم عائدون الى الكراسي والمناصب .

فانا صاحب رسالة وطنية وعقيدة وطنية يجب علي اداؤها بغض النظر عن المنغصات والهوبرات والمعوقات والمحاولات التي تزداد ولا تنقص في ممارسة الارهاب الفكري ضدي ومحاولة الغاء وتجاهل الوطن واهله وهويته , وانا اؤمن ان هناك جينات في الانسان اسمها الجينات الوطنية , واخرى جينات لاوطنية , تماما مثلما هي جينات الدم التي تنقل الصفات الوراثية في الانسان . ومع هذا فقد تعايشت مع هذه الحالة المرضية التي اصيبت بها الزمر الخرقاء والفجار لان ذلك طبع لهم في جيناتهم اللاوطنية , وردي عليهم بالمقابل بالعمل الدؤب والانجاز , وهم مشغولون بالهذيان والشتائم والولائم ومحاولة العودة الى المواقع التي مااستحقوها اصلا لكي يعودوا اليها او الى مثلها . . والكل منا يغني على ليلاه . اما ليلاي التي اغني عليها فهي وطني وشعبي وامن بلدي , اما ليلاهم فهي الغاء كل شيء في سبيل العودة التي يحلمون بها الى الكرسي الفرار واللقب الدوار . والنصر دائما هو حليف الفكر والقلم وان التاريخ لمن يكتبه وهو يدون الانجازات ويهزأ بالشتائم والنكرات البالونية التي انتفخت ثم عادت الى لاشيء كما كانت .

لقد عشت في طفولتي حياة التنقل والترحال في بيت الشعر , وهذا من فخري الوطني , ولكن تنقلنا كان من ربوع الوطن الى ربوعه وكنا نانس باصوات الشياه والابل ونباح الكلاب لانها تبخر وحشة الليل وتدل الجائع الضائع ليجد عندنا الكرم والكرامة , فكلابنا الاردنية لاتغدر ولا تعقر وانما ترحب بالضيف والطراق ( بتشديد الراء وضم الطاء ) ياالهي حتى كلابنا وفية اكثر من وفاء هذه الزمر الخرقاء التي نهبت الوطن ولا زالت تشتمه .

ان الكلب الاردني لايستحق الشتيمة لانه وفي , فكيف يصاحبه ؟ . وفي ذلك يقول الشاعر العراقي :

شتموا الخؤؤن بقولهم == ماانت الا ابن كلب

نسوا الكلاب وفية == يالتنا منها وربي

فليت هذه الزمر الخرقاء من المتوهمين انهم سيعودوا الى المواقع والمنافع تتعلم من كلابنا الوفاء لانهم رفضوا التعلم من اصحاب الكلاب وهم نحن .

وهنا اذكرهم بقول الشاعر بين يدي الخليفة العباسي هارون الرشيد رضي الله عنه عندما خاطبه

انت كالكلب في حفظك الود == وكالتيس في قراع الخطوب

فلما غضب المنافقون من حول الخليفة بتشبيهه بالكلب قال : دعوه فانه رجل بادية ويعرف وفاء الكلاب اتركوه في بغداد عاما ثم ائتوني به . وبعد عام في بغداد قال هذا الشاعر ابياتا من الغزل دخلت الافضلياتت في شعر العرب :

عيون المها بين الرصافة والجسر == جلبن الهوى من حيث ادري ولا ادري

اعدن لي الشوق القديم ولم اكن == سلوت ولكن زدن جمرا عل جمر

اردت القول مما سردته باننا نحن ابناء الاردن ابناء بادية ولكننا نتعلم بسرعة فكاتب هذه السطور رعى الغنم والابل والبقر في طفولته ثم تخرج من ارقى جامعة في العالم وهي كامبردج وكنت من المتفوقين فيها وحصلت على الدكتوراه منها بسنتين وعشرة اشهر في حالة هي الرابعة في تاريخها الطويل . وكتبت رسالتي عن بلدي وشعبي , فالزمر الخرقاء التي تريد الغاء الوطن لانهم تم الغاؤهم من المواقع تقول انه لايوجد وطن الا عندما يكونون على الكراسي , وانهم اذا طردوا ( بضم الطاء ) وعادوا الى بيوتهم الخربة , صاروا يقولون : انه لم يكن يوجد شعب اردني وانما مجموعات من العشائر متنقلة وراء الكلا والماء ,اقول له بامكانكم ان تشتموني ولن ارد , ولكن لماذا تشتمون شعبا باكمله له تاريخه وكنتم تتحكمون به من خلال المسءولية ؟ فقط لانكم لستم في المواقع ؟ . فاذا رفضت الزمر الخرقاء ( التي تشتم الاردن بتعليقاتها ) التعلم منا كاردنيين فهل لها ان تتعلم من كلابنا الوفاء وحسن الاستقبال وعدم النباح على الضيف او صاحب المنزل ؟ لانهم يتقنون لغة الكلاب بجدارة فائقة , ولكنهم لايتحلون باخلاق الكلاب الاردنية . افلا يشكرون ولي نعمتهم ولكنهم غدروا ؟ واعيباه على هذه المستويات الساقطة في كل شيء .

ونسوا ماقاله سيدنا محمد بن ادريس الشافعي رضي الله عنه

لسانك لاتذكر به عورة امريء == فكلك عورات وللناس السن

نعم نحن لنا السن كما لهؤلاء السن ,لكن السننا صقيلةاصيلة متحضرة وعندها اخلاق , ونعرف فسادهم وافسادهم وفبركتهم للدعايات ضد كل شيء في الوطن من اجل انفسهم , فعليهم ان يتادبوا وانني لقادر , والشعب الاردني كله يعرف ذلك , ان اقول كلاما هو اقسى على هذه الزمر الشيطانية الضالة من اسلحة الدمار الشامل .

فان اعجبهم مانكتبه عن بلدنا فاهلا بهم ونحن لانجبر احدا على قراءة تاريخنا ابدا , ومن لايعجبهم ويريدون الحوار فاهلا بهم , المهم الا يشتموا الاردن والاردنيين وليقولوا ماشاء لهم الهوى ولكن بادب وبدون شتائم على الاردن والشعب الاردني .

ولكن لايمكن ان نتسامح مع الشتائم ضد الشعب الاردني بحجة الشتيمة على د احمد عويدي العبادي ولا اريد الكلام بما يرفع ضغط هؤلاء القطعان الضالة . ولو كانوا رجالا لذكروا اسماءهم . فنحن من الشجاعة والقناعة بموقفنا مايجعلنا نذكر اسمنا وهاتفنا وبريدنا . اما النكرات اكلة الجديان والخرفان والصيصان والبعران , فانهم جبناء وفارغون الا من تخمة طعام الحرام , ولا يستطيعون ذكرانفسهم واسمائهم لانهم نكرات . يكفيهم انهم كالوطواط يؤثر الظلام والرطوبة العفنة على النور والنظافة .. ويلجاون للطعن وليس للمواجهة .

وعلى اية حال فاني شاكر لكل من يستحق الشكر واكرر ضرورة نشر جميع الاراء , لنعرف ماتبدي افواههم من بغضاء وما تخفي صدورهم اكبر . فهناك فئات مستفيدة من التعتيم على تاريخنا وانكاره . فالتاريخ هو الجزء الاساس للشرعية لكل وطن وشعب , وبدون تاريخ فان الشرعية تبقى محل تساؤل ونقاش . لذا فان كتابة التاريخ تعني كتابة الشرعية والهوية والثقافة , وان وطنا بلا شعب له جذور وتاريخ انما هو وطن هش بل ليس وطنا وليس له شرعية ..

والاردن وطن متجذر ارضا وشعبا وحضارة وثقافة وكيانا , وعلاقته بال البيت لم تبدا في عام 1921 كما يتصور البعض ويتخيل او يحب ان يكرس ذلك , وانما هي متجذرة وتعود الى معركة مؤتة حيث يرقد سيد من سادات ال البيت من يني هاشم وقريش متوسدا ثرى الاردن وهو الشهيد جعفر بن ابي طالب رضي الله عنه . فعلاقة الاردنيين وال البيت تاريخية ومتجذرة وليست كما يقول المنظرون المثبورون واكلة الخرفان والجديان والصيصان انها بدات عام 1921 وانما كان هذا العام ( 1921 ) تتويجا للعلاقة التاريخية والروحية منذ رحلة الشتاء والصيف الى يومنا هذا .

هذه نظرتنا وعقيدتنا السياسية التي ترفضها القطعان الضالة التي تريد تفصيل التاريخ على مقاسها , والتاريخ ليس قطة قماش ولا جلد شاة ولا جلد بعير لتحويله الى جاعد . وانما التاريخ حقائق واراء وتحليل وتكريس لهوية الوكن والتجذر والشرعية . وان التاريخ لمن يكتبه لا لمن يصنعه , ونحن نصنع التاريخ ونكتبه .

في حطين وقعت واحدة من أعظم المعارك في التاريخ، وبالذات في الصراع الصليبي الإسلامي. كانت صراعا بين الكفر والايمان , والشرق والغرب , وتباين الحضارات والثقافة والعقيدة والوجود على هذه الارض , وكانت صراعا بين رعايا صليبييين جاءوا الى بلادنا واحتلوها وبين شعب عربي مسلم من شتى الاقطار القريبة للصراع وهي : الاردن وفلسطين وسوريا ومصر وشمال العراق .كانت معركة بين من يؤمن بالمسيح نبيا وبين اعداء المسيح عليه السلام

كانت المعركة في الصيف 4 تموز 1187 الموافق 25 ربيع الآخر عام 583هـ، وسيطر المسلمون على الماء ومنعوا الصليبيين من استخدامه، وقام المسلمون بحرق الأعشاب والزروع مما زاد الحرارة والدخان والضيق والتلوث ، ووقعت المعركة بين جيش إسلامي موحد يدعمه اعداد كبيرة من المتطوعين الاردنيين بنا يزيد على عدد الجيش نفسه , وله قضية عقيدية موحدة وواحدة , وهي الجهاد الإسلامي وتحرير الارض الاسلامية بشكل عام ، ووطنية قومية وهي تحرير الأردن وفلسطين من الاحتلال الصليبي، وقضية كرامة وهي : أنهم يريدون إنهاء هذا الاحتلال، أما الصليبيون فتحسبهم جميعاً وقلوبهم شتّى، كل يريد النصر لنفسه، وليس لديهم قضية سوى العدوان والاحتلال والنهب والسلي والرتحة والمتعة , ومن ثم النجاة بارواحهم اذا جد الجد.

( أحرق المسلمون الأعشاب والشجيرات في ساحة المعركة، واستولوا على عيون الماء، عملا على تعطيش الصليبيين واجبارهم على النزول للاشتباك معهم ولما وصل الصليبيون إلى السهل الواقع بين لوبيا وحطين شن صلاح الدين هجوما ففروا إلى تلال حطين، فحاصرت قوات المسلمين التلال، وأقبل الليل وتوقف القتال، في اليوم التالي 4 يوليو 1187 وفي قيظ شديد ونقص في مياه الشرب قامت معركة حطين، ولف الفرسان الصليبيون الذين انتظموا على مرتفع حطين سحب الدخان المتصاعد إلى أعلى، فالتحم الجيشان على بعد ميلين من حطين ، فتضعضعت صفوف الصليبيين وأهلكت سهام جيوش المسلمين الصليبيين، ثم شن هجوم بالسيوف والرماح، فقتل وجرح وأسر الكثير، فاستسلم الألوف منهم، وقام الصليبيون بمناورة، فتقدم قائد الفرسان ريمون الثالث أمير طرابلس بأمر من غي دي لوزينيان ملك القدس، وزحزح بهجومه هذا قوة يقودها تقي الدين عمر، فظن الصليبيين أنهم فتحوا ثغرة في صفوف صلاح الدين فاندفعوا فيها، وحاصر جيش صلاح الدين جزء من الجيش الصليبي فشطره إلى شطرين. ودامت المعركة نحو 7 ساعات على التوالي. سقط فيها الآلاف بين جرحى وقتلى، ووقع الملك غي دي لوزينيان ملك القدس آنذاك في أسر صلاح الدين، بالإضافة إلى العديد من القادة والبارونات، ولم ينج إلا بضع مئات فروا إلى صور واحتموا وراء أسوارها ).

كانت هزيمة الصليبيين في معركة حطين هزيمة كارثية ، حيث فقدوا فيها زهرة فرسانهم ، و قتل فيها أعداد كبيرة من جنودهم و أسر فيها أعداد كبيرة أيضاً. و أصبح بيت المقدس في متناول صلاح الدين ، و كان من بين الأسرى ملك بيت المقدس و معه مائة و خمسون من الفرسان و معهم أرناط (رينالد دوشاتيون) صاحب حصن الكرك و غيره من كبار قادة الصليبيين ، فأحسن صلاح الدين استقبالهم ، و أمر لهم بالماء المثلج ، و لم يعط أرناط (رينالد دوشاتيون) ، فلما شرب ملك بيت المقدس أعطى ما تبقى إلى أرناط (رينالد دوشاتيون) ، فغضب صلاح الدين وقال: "إن هذا الملعون لم يشرب الماء بإذني فينال أماني"، ثم كلمه وذكّره بجرائمه وقرّعه بذنوبه، ثم قام إليه فضرب عنقه، وقال: "كنت نذرت مرتين أن أقتله إن ظفرت به: إحداهما لما أراد المسير إلى مكة والمدينة، والأخرى لما نهب القافلة واستولى عليها غدرًا".فكان أن برّ صلاح الدين بيمينه و ضرب عنق أرناط.

(( وبعد المعركة، سرعان ما احتلت قوات صلاح الدين وأخوه الملك العادل المدن الفلسطينية الساحلية كلها تقريبا جنوبي طرابلس: عكا، بيروت، صيدا، يافا، قيسارية، عسقلان. وقطع اتصالات مملكة القدس اللاتينية مع أوروربا، كذلك استولى على أهم قلاع الصليبيين جنوبي طبرية، ما عدا الكرك وكراك دي مونريال. وفي النصف الثاني من سبتمبر 1187 حاصرت قوات صلاح الدين القدس، ولم يكن بمقدور حاميتها الصغيرة أن تحميها من ضغط 60 ألف رجل. فاستسلمت بعد ستة ايام، وفي 2 أكتوبر 1187 م فتحت الأبواب وخفقت راية السلطان صلاح الدين الصفراء فوق القدس. في نوفمبر 1188 م استسلمت حامية الكرك ، وفي أبريل - مايو 1189 استسلمت حامية كراك دي مونريال، وكان حصن بلفور آخر حصن يسقط، ومنذ ذلك الحين صار ما كان يعرف بمملكة القدس اللاتينية بمعظمها في يد صلاح الدين، ولم يبق للصليبيين سوى مدينتي صور وطرابلس، وبضعة استحكامات وحصن كراك دي شيفاليه(قلعة الحصن)في شرق طرطوس.)).

وكان العفو الذي أبداه صلاح الدين سببا لتزيين تاريخ صلاح الدين في الغرب وتطري شهامته غير العادية.

أدى سقوط مملكة القدس إلى دعوة روما إلى بدء التجهيز لحملة صليبية ثالثة والتي بدأت عام 1189 م.

عامل صلاح الدين القدس وسكانها معاملة أرق وأخف بكثير مما عاملهم الغزاة الصليبيون ، قبل ذلك بمئة عام تقريبا حيث قتل الصليبيون انداك كل اهالي القدس من رجال و كهول ونساء واطفال و 70000 تم قتلهم في ساحة المسجد الاقصى وحده من مسلمين ونصارى عرب ، فلم تقع من صلاح الدين قساوة لا معنى لها ولا تدمير ، ولكنه سمح بمغادرة القدس في غضون 40 يوما بعد دفع فدية مقدارها 10 دنانير ذهبية عن كل رجل، 5 دنانير ذهبية عن كل امرأة، ودينار واحد عن كل طفل، ولم يستطع زهاء 20 ألف فقير جمع نقود الفدية، فكان الخوف من الاستياء والغضب أجبر الفرسان الرهبان الهيكليون والاسبيتاليون الذين يملكون المال بوفرة بدفع فدية 7 آلاف فقير، وبقي 15 ألف شخص لم يستطيعو ان يفتدوا بأنفسهم فبيعوا عبيدا

وانتصر الحق على الباطل، والإيمان على الكفر، والوحدة على الفرقة والعرب على الفرنجة، وحصل للفرنجة مذبحة عظيمة، وأسرى لا يحوطهم العد ، وتم أسر قادة الفرنجة ومنهم أرناط الذي قتله صلاح الدين وقام جنوده بإتمام المهمة، وسائر الأمراء والملوك، ومنهم همفري ابن بارونة الكرك التي تقدمت من صلاح الدين تطلب منه إطلاق سراح ولدها، فوافق شريطة أن تذهب وولدها إلى قلعة الكرك وأن يسلّموا القلعة لصلاح الدين وعندما ذهبت وولدها شتمها قادة القلعة وأغلظوا لها القول الفاحش فعادت حسيرة حزينة، فوعدها صلاح الدين أنه سيعيد إليها ولدها إذا عادت إليه الشوبك والكرك.

شاركت العشائر الاردنية في معركة حطين ببسالة منقطعة النظير بروح الجهاد التطوعي الصادق الذي لايرتبط براتب شهري ولا يبحث عن غنيمة او منهوبات ولا يخشى من مغارم . وبعد المعركة والنصر ودحر الصليبيين , بقيت اجزاء من هذه العشائر في فلسطين تلاحق وتقاتل بقايا الصليبيين الذين لم يخرجوا من فلسطين الا في وقت لاحق وبعد عشرات السنين , وبذلك بقيت العشائر الاردنية هناك مرابطة للدفاع عن حياض الامة الاسلامية والتراب الفلسطيني ومنهم من بقي هناك وصار من الوطنيين الفلسطينيين , ذلك ان الاردني بطبعه وطني , فاينما حل عمل باخلاص للبلاد التي يحل فيها , على المبدأ الاردني ( كل البلاد للرجال معاش / ومطرح ماترزق الزق ) , بينما عادت البقية الى الديار الاصلية وهي الاردنية .

من هنا نجد ان العشائر الاردنية التي شاركت في معركة حطين ومن ثم في معركة عين جالوت انقسمت الى فريقين ومكانين : فريق عاد الى ارض الاجداد وهي شرق الاردن ملتحقا بمن بقي منهم مرابطا في شرق الاردن كجبهة خلفية للدفاع عن اخوتهم الذين كانوا في نجيع المعمعة / حطين ومن ثم عين جالوت , وفريق منهم بقي في فلسطين مرابطا ضد القوات الصليبية التي كانت لازالت تدنس الارض العربية الفلسطينينة والعمل على منع هذه القوات الصليبية من التقدم الى بقية ارض فلسطين او الى بيت المقدس , ثم استقروا في فلسطين وهم يحملون اسماء عشائرهم الاردنية التي خرجوا منها وانفصلوا عنها بسبب الجهاد , واما الاسماء فصارت بعد المعركة على النحو التالي :

1حيث نجد ابناء ( عشائر الجنيد الاردنية ) غيروا الاسماء عما كانت : فمن بقي منهم بالاردن سمي المومني ( المومنية ) ومن بقي في فلسطين بعد المعركة بقي اسمه ( الجنيد / الجنيدي ) . وكذلك نجد ابناء عشائر : الصمادي والزعبي والعمري والجراح والشرمان وهم قد شاركوا في معركة حطين كعشائر اردنية عادوا الى الاردن , بينما بقي من بعضهم اجزاء في فلسطين بعد المعركة واستمروا يحملون الاسم الاصلي وهو الاردني : الصمادي والعمري والزعبي والجراح الى الان ). اما بني عتمة / جذام فقد سمي منهم من عاد الى الاردن بعد الاشتراك بالمعركة ( سمي العتوم ) واما من بقي في فلسطين فسمي عتمة , ولا زال الاسمان متداولان الى الان في البلدين .وكذلك الغزاوية والزناتية يحملون الاسم في الاردن وفلسطين .

واما بني صخر : فقد شارك منها في معركة حطين : الدهامشة وبني محمد والبواسل وبقي منهم في فلسطين الى الان من يحمل اسماء العائلات الصغيرة , فما زال اجزاء من الدهامشة في فلسطين المحتلة القديمة الى الان , وكذلك من الخريشة والزهير الى الان , ومنهم البواسل ( خضير ) ايضاالذين شاركوا في المعركة . وقد عاد الكثير من بني صخر من فلسطين بعد تحريرها من الصليبيين. وبعد معركة حطين هاجر قسك كبير من بني صخر مع جيش صلاح الدين العائد الى العراق وهم قسم من الجبور ويسمون الان : الجبوري وهم من اكبر واشجع واخلص عشائر العراق في الوطنية وهم من الصخور من الاردن ذهبوا بعد حطين ومنهم من ذهب لمحاربة التتار ايضا على الجبهة العراقية كما سياتي ان شاء الله .

وكذلك الامر بالنسبة الى عشائر عباد والسلط وبني حسن وحسب الناس ان الذين عادوا اليهم من فلسطين انهم ليسوا من هذه العشائر الاردنية اصلا وهو خطا دارج ولكنه مرفوض لانهم اصلا من هذه العشائر وعادوا اليها بعد انتهاء مهمات الجهاد , وبعد ان وجد الاحفاد ( ان الديرة طلبت اهلها ) . واشتركت بنو حميدة بالمعركة وبقي منهم اقسام في طوباس ومنهم عشيرة الفقهاء الطوباسية وهم اصلا جزء من عشائر الفقهاء من بني حميدة الموجودين الى الجنوب من مادبا الان , وهناك من نزح من بني حميدة وعباد بعد المعركة الى القدس وغزة ايضا فمنهم من عاد الى الاردن ومنهم من بقي هناك .

وشارك بنو عقبة ( العمرو ) في حطين ,وبقي منهم اعداد في شمال فلسطين وفي الخليل يحملون اسم العمرو . واما بنو حماد ( شقيق حميدة ) اشترك في حطين ثم عاد الى الكرك ثم شارك في عين جالوت ثم عاد الى الشمال حيث استطاعت ذريته بزعامة ال الشريدة انتزاع زعامة جبل عجلون من بني عوف ( من الرشدان ) وبذلك امتدت زعامة جذام الى الشمال بعد ان كانت محصورة في الوسط والجنوب , وبسيطرة العتوم ( جذام ) على منطقة سوف وجرش صار جبل عجلون تحت زعامة الجذاميين الى ان عاد بنو عوف الى الزعامة فيما بعد برئاسة الغزاوية ( الامير الغزاوي ) كما فصلنا في كتابنا : التاريخ السياسي للعشائر الاردنية بالانجليزية

وشاركت الغساسنة بشقيها الاسلامي والمسيحي في معركة حطين لانها فرصتهم لتطهير بلادهم من الاحتلال الذي كان يقتل المسيحي العربي قبل المسلم العربي , ولا تزال بقاياهم في فلسطين , منهم الضمور وحداد وحدادين مثلا وغيرهم . ومنهم الزريقات / كانوا نصارى ( غساسنة ) حيث اسلم من عاد منهم بعد المعركة الى شمال الاردن وحوران بينما بقي منهم فرع في فلسطين عقب المعركة وكلهم اقارب ويحملون الاسم نفسه وهو الزريقات وكلهم الان مسلمون ماعدا زريقات الكرك لازالوا نصارى , ولكنهم يجتمعون معا في الشدات كابناء عم ووحدة واحدة .

ومن يني كلب: شارك الجوابرة من الطفيلة ( التي صارت زعامتهم في ال العوران فيما بعد ) وتفرق منهم اناس الى شمال الاردن ( فيما بعد مثل الشطناوية والكراسنة والطناشات ولكن في وقت متاخر بكثير عن المعركة) والى جنوب لبنان وفلسطين باسم جابر وابو جابر والجابري والطفيلي . ومن بني كلب شاركت عشيرة السرحان والعوازم في البلقاء والشمال . كما شارك من طي الاردنية في حطين , اقول شاركت عشيرة العيسى ( وزعامتهم في ابن ماضي / بدو شمال الاردن فيما بعد وحاليا ) وابن حيار ( الحيارات / الحياري السلط فيما بعد )وبقي من طي من ال الماضي اجزاء في فلسطين وجزء نزح الى العقبة فيما بعد , وعاد منهم جزء الى السلط وصار اسمهم الحيارات نسبة الى جدهم الامير حيار الطائي وذلك بعد اشتراكهم في حطين وفي عين جالوت من بعد ( التفاصيل في كتابنا : التاريخ السياسي للعشائر الاردنية بالانجليزية ) .

ومن الادوميين : شارك بنو حسن ( بنو حدد سابقا زمن الاضطهاد العباسي وغيروه الى بني حسن هروبا من الاضطهاد العباسي كما قلنا سابقا ) . اقول شاركت عشيرة بني حسن الادومية مع صلاح الدين في معركة حطين وبقي منهم اجزاء بعد ذلك في سائر انحاء فلسطين مرابطون للجهاد مع بقية العشائر الاردنية , ثم تحولوا الى العيش هناك في تلك الديار وعاد الباقون الى الطفيلة ثم رحلوا فيما بعد الى البلقاء وعندما حطوا رحالهم في البلقاء بنوا لجدهم الاعلى المفترض الملك حدد ( اول ملك اردني قاوم بني اسرائيل بعد خروجهم من مصر من ان يدخلوا الاردن ) اقول بنوا له مقاما على تلة مشرفة الى الجنوب من نهر الزرقاء وقفت عليه انا شخصيا عام 2006 , ولا زالت بقاياه بعد ان دمرته جرافات وزارة الزراعة بالهدم . ومن الادوميين شاركت عشيرة المحيسن ( الاسم الجديد بعد الاضطهاد العباسي وكان اسمهم الكلالدة قبل الاضطهاد العباسي ) وبقي من بني حسن بعد المعركة اناس في فلسطين وتفرق منهم فروع الى سوريا ومصر وشمال العراق وشمال افريقيا وقرى شمال الاردن واخذت اسماء جديدة , لانهم قبيلة كبيرة جدا وهم بقية شعب اردني عربي كامل وهو الشعب الادومي العربي الاردني . ومن الادوميين شارك الشوابكة وبقي منهم اقسام في فلسطين وفيها يحملون الاسم نفسه الى الا ن .


عدل سابقا من قبل admin في 14/11/09, 02:33 pm عدل 1 مرات
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://SwsLink.yoo7.com
admin
Admin
Admin
avatar

عدد المساهمات : 1123
نقاط : 21628
تقييم الأعضاء للمشاركات : 171
تاريخ التسجيل : 02/05/2009
العمر : 30
الموقع : http://SwsLink.yoo7.com

مُساهمةموضوع: رد: تاريخ الاردن وعشائره   14/11/09, 02:25 pm

وشاركت عشائر عباد بمعركة حطين ثم عادوا الى مناطق الكرك ثم رحلوا الى البلقاء حسبما هو الاتفاق مع صلاح الدين , بينما بقي منهم جماعات يحملون اسم العبادي في فلسطين وغزة والقدس والساحل الفلسطيني , واذا كان الشيء بالشيء يذكر فان اعدادا منهم ايضا نزحوا الى فلسطين في النصف الثاني من القرن التاسع عشر , حيث جلوا الى السيبة في بيسان مابين عام 1850-1863 كما سبق وفصلنا في كتابنا التاريخ السياسي للعشائر الاردنية باللغة الانجليزية . ويوجد الى الان في فلسطين ممن يحمل اسم العبادي , ومنهم من يحمل اسماء عشائر من عشائر عباد بقوا بعد معركة حطين مثل المحاميد والذين يوجد منهم اقسام في الكرك ومعان ودرعا ايضا . ومن العبابيد باسم العبادي من بقي حول القدس ..

وشاركت عشيرة العبيديين ( منهم العبيدات في شمال الاردن ) من عشائر الطفيلية بحطين وبقي منهم اجزاء لازالوا يحملون اسم عبيدات في منطقة القدس واخرون ذهبوا الى شمال افريقيا ولا زالوا يحملون الاسم نفسه في ليبيا عد حطين , وعاد قسم منهم الى شمال الاردن واسمهم العبيدات ومنهم اول شهيد اردني على ارض فلسطين دفاعا عن عروبة واسلام فلسطين وهو المغفور له الشيخ تركي مفلح العبيدات , وقد قام بما كان قام به اجداده من الجهاد دفاعا عن كرامة الاردن وفلسطين في معركتي حطين وعين جالوت .

. كما شارك الانباط ايضا بالمعركة حيث لازالت اسماء عائلات من بني عطية واخرى من الحويطات واخرى من اللياثنة تحمل الاسماء وهم في فلسطين وسيناء وقد تفرقوا فيها بعد معركة حطين وعين جالوت . وشاركت عشائر الدعجة بالمعركة ايضا كما شارك جذاميوا معان في معركة حطين ومنهم من بقي في فلسطين ثم عاد الى معان فيما بعد . والمشكلة ان كل من عاد الى عشيرته بعد جيلين او ثلاثة حسب من بقي بالاردن ان الوافد هو ليس منهم .

وشاركت عشائر بني خالد في معركة حطين وبقي منهم مجموعات في مناطق القدس وفلسطين وهم يحملون اسم الخالدي ايضا , وان كان منهم من ذهب الى فلسطين متاخرا بسبب البحث عن الكلا او جلوة الدم ( الجلاء عند ارتكاب جريمة قتل ) . ومن عشائر السلط التي شاركت في معركة حطين : عشائر بني عاملة ( العواملة ) حيث كانت تضم غالبية عشائر السلط لانهم كانوا عشائر يمنية وبني عاملة ( وبسبب الاضطهاد العباسي للاردنيين سموا انفسهم العواملة بدلا من بني عاملة وهم من القبائل اليمنية ) لذلك نجد ان غالبية العشائر السلطية القديمة تضمها اسم العواملة . وفي طريقه الى حطين خيم صلاح الدين في السلط في الوادي الذي سمي بوادي الاكراد ( تلفظ محليا الكراد ) لانها كانت مخيم فرقة الاكراد في جيش صلاح الدين ,وهناك التحق به اهل السلط والعديد من ابناء البلقاء ( بلقين سابقا ) وشارك البرارشة ( بنو اراشة من قبل ) بحطين وبقي منهم اناس في فلسطين ايضا ومن عاد بعد المعركة سمي بالخريسات بدل بني اراشة وهم من بلي من قضاعة ويسكن الخريسات في الطفيلة والكرك ( حيث المنبع ) والسلط واربد

وشاركت بنو عوف في حطين ومنهم الرشدان والفريحات والعنانبة ( عناب ) والبواعنة والخطاطبة والشويات وغيرهم كثير من حمايل عرجان وراسون والوهادنة وعنجرة وكفرنجة من مسلمين ونصارى , وشاركت عشائر اردنية صغيرة كثيرة ايضا . وبمعنى اخر كل عشيرة فلسطينينة حاليا تحمل الاسم الاردني هي بقايا من شارك من هذه العشيرة الاردنية في معركة حطين او عين جالوت وبقوا في فلسطين بعد المعركة للدفاع عن فلسطين مثلما رابط الجيش الاردني للدفاع عن القدس وفلسطين في القرن العشرين

تقدم صلاح الدين من القدس وشدّد عليها الحصار لم يعد فيها جيش صليبي يدافع عنها لانه قضى نحبه في حطين ، وأخيراً وافق أهلها على تسليمه المدينة بإعطائهم الأمان، ودخلها يوم الجمعة 27 رجب 583هـ، 12 تشرين الأول 1187م. ن. حاولت العشائر الاردنية الانقضاض على الصليبيين اثناء انسحابهم من الكرك ولكن صلاح الدين رفض ذلك , وحذره زعماء العشائر الاردنية ان هؤلاء سينظمون انفسهم مرة اخرى ويحاربوننا ويحاولون استعادة القدس , ذلك ان ثقافة الاردنيين انه اذا انتهى اي احتلال في بلادهم يحبون انهاءه تماما , فهم يصبرون لكنهم ينقضون على الاعداء بصرامة وسحق نهائي ان استطاعوا .

, ولكن صلاح الدين راف بحال الصليبيين وتركهم ان يغادروا امنين , ورفض راي الاردنيين , وسمح للفرنجة بالخروج إلى صور، ولم ينتقم من الأسرى ولا من المقاتلين، وهذا ما كان مصدر ندمه فيما بعد لأنهم عادوا ونظموا أنفسهم ضد المسلمين . وهكذا فان من لايسمع نصيحة حكماء عشائر الاردن لابد ويقرع سن الندم ذات يوم ولو كان صلاح الدين نفسه . وقد قام الاردنيون بمرافقة قوات صلاح الدين وتحرير فلسطين من الصليبيين وقاموا بقطع اشجار الفرنجة وقتلهم وحرق مزارعهم وزروعهم , وبذلك انتقم الاردنيون لانفسهم ليس على الارض الاردنية فحسب , بل وعلى الارض الفلسطينية ايضا , وقد غض صلاح الدين الطرف عن عمل الاردنيين اكراما لخاطرهم وندما منه على اساءاته اليهم , ولكي لايتبقى بينهم وبين الصليبيين اية علاقة ايجابية او صداقة او معاهدات او ماالى ذلك .

نعود إلى ما يخص الأردن وعشائرها : فقد قلنا أن بارونية الكرك كانت تضم البلاد من ساحل البحر الأحمر إلى تبوك، فتيماء فدومة الجندل فوادي السرحان , وتشمل الحرة الشمالية ( البادية الشمالية ) ثم إلى حوران فمسار نهر اليرموك ثم تشمل طبرية وبيسان وأريحا وضفتي نهر الاردن حتى البحر الميت، ثم وادي عربة فالبحر الأحمر، وكانت قلعة طبرية تابعة للكرك، وتقاسم على نصف الغلال في السلط والبلقاء وجبل عوف (عجلون) والسواد أي سهول إربد حتى البادية شرقاً والجولان وكلها صارت بحوزة المسلمين ومن ممتلكات ملك دمشق وهو الملك الأفضل بن صلاح الدين.

بعد القدس استولى صلاح الدين على عكا واستولى على ما كانت تحتويه مخازنها من ثروات طائلة، ونقل صلاح الدين قفل عكا بمفتاحه إلى قلعة الكرك. وسمح للفرنجة بمغادرة المدن الفلسطينية والساحل إلى صور، دون أن يمارس الانتقام الذي مارسه الصليبيون عندما دخلوا بيت المقدس أول مرة. وأمر صلاح الدين بإزالة جميع المظاهر الصليبية في المسجد الأقصى وقبة الصخرة التي كان يعلوها صليب وأزاحه، واحتفل المسلمون احتفالاً عظيماً بعودة القدس إلى الحاضرة الإسلامية.

ورغم تحرير القدس وفلسطين إلا أن الكرك والشوبك بقيتا صامدتين في وجه الجيش العربي الإسلامي وأرسل قوات لمحاصرتها، وكانت أميرتها الأرملة زوجة أرناط قد طلبت العفو عن ولدها همفري كما قلنا، وكانت قصتها مع صلاح الدين كما ذكرنا. واستمرت قوات صلاح الدين في حصار الشوبك والكرك والوعيرة والسلع حتى نفدت أرزاقهم فأخرجوا نساءهم وأطفالهم طالبين الرحمة بهم وبقي المحاربون يأكلون الكلاب والحمير والجيف (مفردها جيفة) ويأكلون بعضهم بعضاً، وبلغ الأطفال والنساء أن باع بعضهم نفسه للبدو مقابل أن يأكل ويشرب.

ونضب ماء قلعة الكرك وتراسلوا مع الملك العادل بن صلاح الدين الذي كان يقود الحصار، فقبل أن يتسلم قلعة الكرك لقاء سماحه لهم بالخروج إلى صور كما فعل والده صلاح الدين مع بقية الصليبيين بعد معركة حطين. وبذلك تسلّم حصون الكرك وسلع والوعيرة والطفيلة وسائر القلاع وذلك في شهر رمضان المبارك لعام 584هـ، تشرين الثاني 1188م، وقد دام حصار الكرك سنة ونصف السنة.

وبقيت الشوبك صقر الصحراء الشامخ في الاجواء , التي لم تستسلم للمسلمين إلا بعد أن نفدت أقواتها بالكامل. وذلك في ربيع الأول عام 585هـ، نيسان 1189م وبذلك تحررت شرق الأردن وبلاد الأردن على ضفتي النهر من الاحتلال الصليبي تماماً في عام 585 هجري , 1189 م .وقد كان لعشائر الادوميين من اهالي الشوبك وما حولها وبني حسن وبقية عشائر الاردن في الجنوب الدور الكبير في الحصار وتضييق الخناق الى ان حرروا ترابهم الوطني من الاحتلال . وكان معهم ايضا عشائر نصارى الاردن الذين قاتلوا الصليبيين جنبا الى جنب مع المسلمين , بل ان بعض عشائر الغساسنة النصرانية نزحت الى الحجاز من بطش العباسيين والصليبيين مع اقاربهم المسلمين , ثم عادت وسميت الحجازين ( على انهم عادوا من الحجاز ) , وكذلك الحدادين الذين تم ذكرهم زمن المماليك على سيل اذرح بعد عودتهم من نزوحهم الى العلا في جنوب الاردن انذاك , كما ذكرنا في كتابنا ( العشائر الاردنية 2007 منشورات الدار الاهلية عمان ) .

ولا بد من التوقف قليلاً عند حصني الشوبك والكرك، ولا بد من الاعتراف أن وجودهما بايدي الصليبيين قد أخَّر الفتح المبين لبيت المقدس سنوات طويلة. فقد عمل أرناط من خلالهما على حرب استنزاف ضد الجيش الإسلامي، والاقتصاد والقوافل، وتحييد الجبهة الأردنية تحييداً كاملاً، بحيث أن الجيوش المصرية والشامية لم تضع في معادلاتها استخدام الأردنيين في القتال خشية الانتقام الصليبي من الحاميات التي تغطي بلاد الأردن، لقد كانت هذه القلاع حصينة الاسوار والحاميات ، وحولها من الأراضي الخصبة، وحياد السكان ما يجعلها في أمان لا ينغِّص عليها عيشها إلا نوافذ الجيوش الإسلامية بين حين وحين في محاولة الاحتلال الذي فشل في جميع مراحله إلا بعد سنة ونصف من الحصار المتواصل . واستطاع الجوع والعطش وحدهما كسر إرادة الفرنجة، ولكنهم خرجوا سالمين رغم كل ما أوقعوه من أذى بالبلاد والعباد ودولة الإسلام.كان خروجهم سالمبن هو بقرار من صلاح الدين وندم عليه .وتعرض لانتقاد المؤرخيت المعاصرين له ولانتقادنا ايضا .

والملفت للنظر أيضاً أنه رغم الحروب والحصار، فإن التجارة لم تتوقف، وإنما كانت بين ازدهار وانحسار فقط، وكان حياد أهل الأردن حيال الصراع الصليبي الإسلامي قد جعلها واحة آمنة للقوافل، ومركز جذب لاهلها النازحين خارجها من البطش العباسي والصليبي من قبل , وبالتالي بقيت مزدهرة، وأهلها بخير في هذه الفترة ، ولكن سقوط القدس أحدث صدمة عنيفة في أوروبا التي سرعان ما أفرزت الحملات الصليبية الثلاثة الجديدة بعد تحرير القدس , والتي اشترك فيها ملوك: إنجلترا، وفرنسا، وألمانيا .

وان ما يهمنا منهم هو ريتشارد قلب الأسد ملك بريطانيا الذي غزا الأردن وأوقع بالقوافل التجارية أذى يفوق التصور. والتأم الصليبيون القادمون من اوروبا مع الفرنجة المتجمعين في صور الذين عفا عنهم صلاح الدين بعكس نصيحة العشائر الاردنية , ثم اكل اصابعه ندما على عدم الاستماع للاردنيين في ذلك , وراح الفرنجة القادمون والمحررون يحاصرون عكا، وقرع صلاح الدين سنّ الندم بعدم قتلهم وزاد ثقة باهل الاردن انهم اهل راي ومشورة , وانهم اصحاب بعد نظر ورؤى مستقبلية .

اما ريتشارد قلب الأسد ملك انجلترا ، فما ان سمع بقافلة تجارية تعبر الى الاردن , وهو في فلسطين حتى ارتدى اللباس العربي الذي اعتاد الأردنيون لباسه وقاد كوكبة كبيرة من الفرسان ليتعقب هذه القافلة التي كانت واحدة من أكبر القوافل التجارية القادمة من مصر عبر الاردن الى الشام ، وعبرت الأردن بأمان دون أن تحسب حساباً أو تعرف بقدوم قوات صليبية جديدة الى البلاد اصلا . قام قلب الاسد يتجنيد مجموعات من الاعراب , لاندري ان كان ذلك قسرا ام طواعية مقابل المال كادلاء وجواسيس مرافقين له يعرفون الاثر ويعرفون الطريق الى الاردن , ولا ندري من هم الذين قاموا بدور الجواسيس من الأعراب لصالح ريتشارد قلب الأسد ولا من اي عشيرة او قرية , وعلى الأغلب وربما بالتاكيد أنهم في هذه الحالة لم يكونوا من شرق الأردن، لأن ألاردنيين لم يكونوا يعرفون بقدوم حملات صليبية جديدة لا يعرفون بقدوم الحملة الجديدة , كما ان الاردنيين وان عرفوا بذلك لايمكن ان يدلوا الفرنجة على عورات المسلمين , لان ذلك ليس من ثقافتهم , ولان الضحايا هم اهلهم وعربانهم , وانه لافائدة ترجى من التجسس على الاهل والعشيرة . لذا فان الجواسيسي والادلاء كانوا من غير الاردنيين بكل تاكيد . والله اعلم

وصلت أنباء القافلة الى قلب الأسد وهو في الرملة ( ؟؟؟؟ ) وتحرك نحو تل الصاخبة قرب الرملة فعلم صلاح الدين وأرسل مع كوكبة من الجنود لإعلام القافلة وحمايتها من خطر ريتشارد قلب الأسد، فالتقاهم جنود صلاح الدين في الحسا ( جنوب الاردن ) وأعلموهم بالأمر، فلم تتوقف القافلة بل واصلت سيرها إلى نبع ماء آخر وعسكروا هناك ( يبدو انه ماء اللجون الاردني في راس وادي الموجب ) ، وهم على ثقة أن العدو الإنجليزي الذي لا يعرف البلاد لا يمكن أن يستدل عليهم، واستبعدوا من حساباتهم أن الجواسيس الذين يقصّون الأثر قادرون على تحديد المكان بالضبط.

اختلف قادة القافلة المسلمون : حيث راى التجار الاردنيين منهم مواصلة التحرك للإفلات من خبطة ريتشارد، وحذروا ان الجواسيس سيقصون الاثر ويصلون الى اللجون , بينما راى القائد المصري مع القافلة أن أحداً لا يمكن أن يعرف مكانهم وسط شعاب الجبال الأردنية الوعرة، في ليلة مظلمة، فأقام والناس على النبع، في بطحاء من الأرض، بينما ابتعد القائد الاردني كما عادة الاردنيين في الحذر , اقول ابتعد إلى رؤوس الجبال خشية الخطر.

سار ريتشارد قلب الأسد إلى رأس الحسا، ولم يجد القافلة، ثم علم من جواسيس الأعراب مكان القافلة وحمولتها ومعلومات كاملة عنها، وانها على اللجون في راس وادي الموجب , فركب ليلاً وهو يرتدي اللباس العربي لأهل الديار (الأردنية) وطاف بالقافلة وإذا بهم نيام. وعاد إلى جنده الذين كانوا يكومنون في مكان قريب , وهم ألف فارس صليبي مردفين (أي ألفي مقاتل) وقادهم وهاجموا الناس نياماً في صبيحة يوم الثلاثاء 11 جمادى الآخرة، 588هـ، 23 حزيران 1192م، وأصاب الذعر الناس الذين فزعوا من منامهم.

انقسم الناس في القافلة المنكوبة إلى ثلاثة أقسام: قسم قصد الكرك طلباً للنجاة بأرواحهم، ومعهم عربان وعسكر من المصريين؛ وقسم دخلوا البرية مع جماعة من العربان طلباً للنجاة والحياة اي شرقا الى القطرانة ، وبقي خمسمائة منهم أسرى في يد ريتشارد قلب الأسد، ساقاهم أمامه ومعهم رجال آخرون.

كانت الغنائم كارثية على المسلمين، وقوامها ما يلي (التي كسبها ريتشارد قلب الأسد من القافلة حسبما ذكرتها كتب التاريخ ): ألف وخمسمائة فرس، ومثلها من البغال، ومليوني دينار نقداً وأقمشة وبضائع بقيمة مليوني دينار أيضاً. وكانت هذه الهزيمة سابقة لم يحدث مثلها هزيمة من قبل. وأدى ذلك إلى رفع معنويات الصليبيين، وخيمت الكئابة على السلطان صلاح الدين وسائر المسلمين، وتبيّن مدى خطورة الجواسيس من الأعراب الأشد كفراً ونفاقاً، ولا شك أن الجواسيس تابعوا القافلة منذ خروجهم من مصر إلى أن عبروا الأردن، وأوصلوا المعلومات إلى ريتشارد قلب الأسد وهو في الرملة مقابل ثمن بخس دراهم معدودة , كما هم من الخساسة والنذالة واعانة الكفار على المسلمين , فكانت فرصة لتسجيل موقف يتفوق فيه ريتشارد قلب الاسد على أقرانه سائر ملوك الفرنجة .

وتم عقد صلح الرملة الذي أقرّ بموجبه بأيدي الصليبيين: يافا وعملها، وقيسارية وعملها، وحيفا وعكا وعملها، بينما تبقى المناطق الجبلية وقلاعها بأيدي المسلمين، وأن تكون اللد والرملة مناصفة بين الطرفين، وعسقلان خرابا. وأن تكون مدة الهدنة ثلاث سنوات، وأن يُسْمح بحرية التجارة، وتنقل القوافل بين الطرفين، وبعد ذلك أبحر ريتشارد عائداً إلى بلاده عبر ميناء عكا بعد شهر من توقيعه للاتفاقية.

كانت ديار بارونية الكرك واضحة زمن الصليبيين وهي كما حددناها سابقاً، كما بقي الأمر نفسه زمن صلاح الدين بعد التحرير، إذ أنه أقطع الكرك وأعمالها لأخيه الملك العادل، وهي التي تتطابق مع أراضي الأردن الحديث، والتي تحولت فيما بعد إلى إمارة زمن الملك الناصر داود ابن أخ صلاح الدين وذلك يبرهن على وضوح الرؤيا في تحديد مملكة الكرك الاردنية / بارونية/ إمارة/ سمّها ما شئت زمن الصليبيين والأيوبيين، والمماليك فيما بعد، وهي ما سميت الأردن في العصر الحديث، وصارت الكرك والشوبك والصلت والبلقاء من إمارة الكرك المعطاة للملك العادل أخ صلاح الدين على شرط أن يحمل كل عام ستة آلاف غرارة من الحبوب تحمل من الصلت والبلقاء وحدهما إلى القدس. وهذا دليل واضح على خصوبة البلاد وكثرة إنتاجها، وأنها كانت سلّة خبز القدس وما حولها ـ أي فلسطين ـ وقد بقي الأردن مصدر الحبوب لفلسطين حتى نهاية أربعينيات القرن العشرين ويتبادلون بها الزيت والقطين والزبيب والأقمشة وسائر البضائع الأخرى من فلسطين إلى الأردن.

كان الملك العادل سعيداً بأخذ الكرك، وكان يحبّها حبّاً جماً، حيث اعتنى بها، وأعاد ترميم وبناء الأبراج والأسوار فيها ، وصارت إمارته تمتد من اليرموك شمالاً إلى العقبة جنوباً، وهي بلاد كثيرة الثمار غزيرة الأمطار خصبة التربة أما صلاح الدين فقد لقي وجه ربه صبيحة الأربعاء 27 صفر 589هـ، في الرابع من آذار عام 1193، حيث مات عن عمر يناهز ستة وخمسين عاما عليه رحمة الله ً.

ليس هذا مجال ولا مكان انتقادنا لما قام به صلاح الدين من توزيع المملكة العربية الإسلامية بين أولاده،كما يوزع التركة تاخاصة من المال والمتاع ؟؟؟ وهو خطأ استراتيجي تاريخي دفع العرب والمسلمون ثمنه غاليا , سنأتي إليه لاحقاً إن شاء الله، وإنما نحن بصدد ما يخص الأردن حيث صارت من اليرموك شمالاً بما فيها طبرية وبيسان والغور بضفتيه ووادي عربة حتى العقبة، ضمن الامارة الاردنية وعاصمتها الكرك , وهي من أملاك الملك العادل شقيق السلطان صلاح الدين الأيوبي، وقد كان صلاح الدين يخشاه لما هو عليه من الحنكة والدهاء والتطلع للسلطة ليكون ملكاً، بدلاً من صلاح الدين وأولاده فيما بعد.سوقد وافق شقيق صلاح الدين على تسليم أملاكه في مصر لابن صلاح الدين لقاء البقاء في الكرك وشرق الأردن لأهمية الموقع في وصل أو فصل الشام عن مصر، والتحكم بالموارد التجارية والتحركات العسكرية والغلال الوفير وموقف القوة في التفاوض مع الصليبيين طالما انه يملك الاردن .

وزّع صلاح الدين دولة الإسلام على أسرته، فالأردن من نصيب العادل (شقيقه) والشام من نصيب الأفضل بن صلاح الدين، ومصر من نصيب العزيز بن صلاح الدين، وبقية الممالك لأسرة الأيوبي، حيث أقطع اليمن لسيف الإسلام وأواسط سوريا (حمص وتدمر) لابن عمه أسد الدين شيركوه، وبعلبك وأعمالها لابن عمه مجد الدين بهرامشاه، أما ولده الظافر فكان نصيبه بصرى يتولاها لاخيه الأفضل ملك دمشق.

وبذلك تفسّخت الدولة العربية الإسلامية بعد طول عناء في توحيدها ، ذلك أن البيت الأيوبي كان مجموعة من المتناحرين المتنافرين،ومجتمع كراهية وكل منهم يتطلع إلى قمة السلطة ولو بالقضاء على اخيه او عمه او انب عمه ، ومن الواضح أن عنصر الوحدة الوحيد كان في ذلك العصر هو شخص صلاح الدين الأيوبي نفسه , وانه لم يقدم فكرا يمكن ان يؤسس لدولة وانما كان لديه مشروع ليدخل التاريخ بتحرير القدس وحقق ذلك , وليس عنده فكر يمكن ان يبقى بعد موت صلاح الدين ، وأنه بزواله، تتفسخ البلاد والدولة والأسرة الحاكمة، وصار كل واحد من الولاة من الموالي والقادة مستقلاً في ولايته أو قلعته، ومن ذلك عز الدين أسامة الجبلي (المنقذ) صاحب عجلون الذي بنى قلعة بني عوف واستقر فيها ,وقد نصح الملك العزيز بن صلاح الدين ملك مصر، أن يستولي على الشام ويطرد شقيقه الملك الأفضل بن صلاح الدين .

كتب عز الدين أسامة إلى الملك العزيز ينصحه قائلاً: "أقصد البلاد (أي تقدم إلى هنا إلى بلاد الشام)، فإنها في يدك (أي أنها راغبة أن تكون أنت ملكاً عليها بدلاً من أخيك)، قبل أن يحصل في الدولة من الفساد ما لا يمكن تلاقيه". وبالفعل استجاب العزيز، وسار إلى الشام، حيث دخل غور الأردن، ونزل الشونة الشمالية في عام 1194م (590هـ)، الأمر الذي جعل الملك الأفضل ملك الشام يطلب النجدة من عمه العادل أمير الكرك والبلاد الشرقية، واستجاب العادل وقدم من البلاد الشرقية ومعه صاحب حلب وصاحب حماة وصاحب حمص وجميعهم من أمراء البيت الأيوبي، وكان العادل عمهم وأكبرهم سنّاً، وفي عرفنا الحاضر كان يعتبر عميد البيت الأيوبي.

كانت النتيجة أن العزيز ملك مصر أدرك تعذر احتلال دمشق لاتفاق أمراء البيت الأيوبي على رفض ذلك، لكنه، حصل من الكعكة على أجزاء دسمة أن تم إلحاق القدس وفلسطين إلى مصر، وكذلك اقتطاع أجزاء من إمارة الكرك وهي طبرية والغور، لتكون تابعة للعزيز في مصر أيضاً، مقابل ردّ إقطاعات الملك العادل التي كانت له في مصر، والتي تنازل عنها مقابل حصوله على الكرك وشرق الأردن، ليس هذا فحسب بل إن العادل ملك الاردن في الكرك زوج ابنته من ابن أخيه العزيز بن صلاح الدين ملك مصر المذكور.

كان من الواضح أن خشية صلاح الدين من أخيه العادل أنه سيستولى على الملك من أولاد صلاح الدين، أقول كانت هذه الخشية في مكانها بكل تأكيد. فقد استعاد إقطاعاته في مصر وزوج ابنته لملكها العزيز، وأبقى الملك الأفضل ملك دمشق تحت رحمته، واعترف الأمراء أن عمهم العادل هو عميدهم وملاذهم إذا ما حاول أحدهم أن يبغي على الآخر.وكانت هذه هي الخطوة للوصول الى السلطة وتوحيد الدولة العربية تحت قيادته ومن ثم توريثها لاولاده من بعده

كان لدى الملك العزيز أعداد كبيرة من المماليك. منهم من الأكراد وتسميتهم الأسدية لانهم كانوا مماليك أسد الدين شيركوه، والمماليك الصلاحية أو الناصرية لانهم كانوا موالي السلطان الناصر صلاح الدين الأيوبي رحمه الله، وقد تحدث عنهم ابن خلدون في كتابه العبر وديوان الخبر في تاريخ العرب والعجم والبربر ومن جاورهم من ذوي السلطان الأكبر، وقد طلب المماليك من الملك العزيز أن يطرد اخاه الملك العادل لتصبح دمشق من ولاياته وتحرك في عام 591هـ/ 1195م لتحقيق هذه الغاية، فاستنجد الأفضل بعمه العادل الذي انتهزها مناسبة حيث زاد الشقّة والخلاف بين الأخوين، لتؤول الأمور إليه والى ذريته من بعده في نهاية المطاف. وهذا الذي كان صلاح الدين يخشاه .

أوقع الملك العادل ( الملك العم ) الانشقاق في صفوف المماليك الناصرية والأسدية أتباع العزيز فمنهم من بقي مع العزيز وآخرون رأوا الانضمام للأفضل (دمشق)، وبالفعل صارت الصفقة وهي انتقال الأفضل إلى مصر والاستيلاء عليها بدلاً من أخيه العزيز، وتصبح دمشق مملكة للعادل عم الملكين. وبقيت الأمور من مؤامرة إلى مؤامرة، إلى أن وصل الملك العادل (ملك الكرك) إلى هدفه وهو الاستحواذ على دمشق، ويبقى العزيز ابن أخيه وزوج ابنته ملكاً على مصر، وبالفعل سار العادل والعزيز معاً، كل معه جيشه وحاصروا دمشق في حزيران 1196م/ 592هـ، ودخلاها يوم الأربعاء 4 شعبان 592هـ للقضاء على الملك الافضل , فلم يجدوا أية مقاومة.

واضح أن أهل دمشق تعلموا من الأردنيين درساً هاماً، وهو أنهم ( اي الاردنيين ) إذا تصارعت القوى من حولهم أو على أرضهم، أو السلطة في بلادهم، فإنهم ينأون بأنفسهم عن الصراع، ويتعاملون مع المنتصر، ولا يقاومون أحداً الا اذا عرفوا ان النصر حليفهم, اي انهم لايخوضون معركة خاسرة وهذه صارت جزءا من ثقافة الاردنيين التاريخية والسياسية ، وإنما يساندون من يجلس على كرسي الإمارة أو المملكة أو الولاية، ويبدو أن هذه السياسة كانت ناجحة بحيث تحول الأردنيون إلى الإنتاج الزراعي والرعوي والتجاري، ومشاهدة المسلسلات الحربية والسياسية من حولهم وتبادل لخبارها ، ونحن هنا نرى أن أهل دمشق، وكذلك أهل مصر في نهاية العهد الفاطمي قد تعلّموا هذا الدرس من الأردنيين، من خلال مراقبتهم لمجريات الأمور وما ينقله التجار، حيث كان المسلمون والصليبيون مخلصين في عملهم وتجارتهم، بغض النظر عن نوعية أو ماهية المنتفع من هذا العمل.

إذن انطلق الملك العادل من الكرك حيث لا يوجد على الجبهة الأردنية ما يقلقه أو يعكّر صفوه، وصار الآن ملكاً للكرك وشرق الأردن، ودمشق والبلاد الشرقية إلى الفرات (شمال العراق الحالي)؛ وبذلك اتسعت رقعة البلاد، وتجاوز نصف الطريق في توحيد المملكة العربية الإسلامية التي كانت زمن أخيه صلاح الدين.

وحيث كان للكرك أهمية خاصّة كملاذ امن له وقت الشدائد، ومصدر دخل مرتفع، وموالاة أهل الأردن له، وعدم قيام فتن وثورات ضده، وأن هذه قد تبرز في أية لحظة في شمال العراق أو دمشق حيث الشعوب تعودت على الثورات منذ عصور الوثنية الأولى. فإن الكرك بالنسبة له كان العشّ الذي يأوي إليه في نهاية المطاف مهما طاف أو غاب في أرجاء الدنيا، لذا قرر تعيين ولده الملك المعظم عيسى نائباً عنه في الكرك ليكون أميراً لبلاد الأردن كلها، ومركزها الكرك وذلك عام 592هـ/ 1196م.

كان المعظم عيسى أعزّ أولاد الملك العادل، كما كانت الكرك والأردن أعز أجزاء مملكته عليه، وقد أعلن الملك العزيز دعمه لابن عمه المعظم عيسى أيضاً، وكانت النتيجة أن العادل، وبسبب نجاح ولده عيسى أن أسند إليه دمشق بالإضافة إلى الكرك، وبذلك صار المعظم عيسى ملك الكرك ( الاردن ) وملك دمشق ( سوريا ) أيضاً وسائر شرق الأردن وضفتي النهر وطبرية.

وما أن مات الملك العزيز بن صلاح الدين ملك مصر، حتى انقسم المماليك إلى قسمين، منهم من يؤيد الملك العادل، ومنهم من يؤيد الأفضل المطرود من دمشق، ولا يهمنا تفاصيل الخلافات والمؤامرات، إلا أن ما يهمنا هو أن الملك العادل دخل مصر وصار يحكمها، وبذلك وحّد دمشق ومصر مرة أخرى، كما كانت على عهد أخيه صلاح الدين، وأخيراً اجتمع أمراء البيت الأيوبي، وصار العادل هو ملك البلاد، ومن بقي منهم ملوك كل على منطقة (والتفاصيل هنا ليست من موضوع كتابنا).

ما يهمنا أن الملك المعظم عيسى قد وجّه اهتماماً خاصّاً لإمارة الكرك وشرقي الأردن، وعمل على نشر الأمن والطمأنينة في ربوعها، من اليرموك والجولان شمالاً إلى العقبة وتبوك جنوباً ومن نهر الأردن غرباً إلى تيماء والجوف ودومة الجندل شرقاً ونجح المعظم عيسى في عمله، مما زاد من محبة أبيه العادل له وثقته به، فأضاف دمشق إلى الكرك، وبذلك عاد الوضع الذي كان زمن الأنباط قبل الاحتلال الروماني عندما كانت دمشق تتبع البتراء في الأردن، وصارت بعد ألف ومائتي عام تابعة (أي دمشق) للكرك، أي للأردن، وتحديداً لجنوب الأردن في الحالتين.

زادت ثقة العادل بولده المعظم عيسى، وبأهل الأردن الذين لم يثوروا ضد عيسى ولا العادل، والذين كانوا رعية وادعة تعمل كخلية النحل، وتطيع كالجنود للقائد، وتعطي الأمن للدولة قبل أن تنشر الدولة أمنها، ولا تتوانى عن دفع الضرائب مهما كَبُرت أو عَظُمت بدون احتجاج ولا صخب، وهذا الذي بقي إلى الوقت المعاصر. أقول أمام ذلك قام العادل بتوسيع مملكة الكرك التي كانت تشمل الأردن الحالي ودمشق وحوران واليرموك والجولان وطبرية، وأضاف إليها شمالاً من دمشق حتى حمص، وجنوباً حتى العريش على حدود مصر، وسواحل فلسطين، وبلاد الغور وأرض فلسطين براً وبحراً والقدس والشوبك حتى تبوك.

وبمعنى آخر صارت مملكة الكرك الأيوبية زمن الملك العادل وابنه الملك المعظم عيسى تشمل الأردن كاملاً، وفلسطين كاملة والجزء الشمالي من سيناء، وبادية سوريا حتى حمص. إلا أن الملك عيسى أولى إمارة الكرك برعايته، فجلب إليها الصناع وأشجار الفواكه من سائر أرجاء مملكته وشرع في عمران البلاد والقلعة والمدينة وحوّلها إلى إمارة ذات اكتفاء ذاتي. وأقام بالكرك تحصينات، وبنايات إسلامية، كما اهتم بقرى الكرك التي كانت لقيت دماراً وحرقاً ونهباً من عمه صلاح الدين لموالاة أهلها للصليبيين، فقام المعظم بإعادة إعمارها وتنظيمها، والعناية بمصادر المياه والعيون والسيول والقنوات، والكروم، وحفر الآبار وبنى الصهاريج وصارت الإمارة مزدهرة مستقرة آمنة، مكتفية ذاتياً.

وأولى الملك المعظم اهتمامه لقلعة الشوبك فأعاد ترميمها، وبناء المهدّم منها، ونقل إليها الأشجار من الشام ومصر وفلسطين، واعتنى بالنبعين عن يمين القلعة وشمالها، وغرس في الأراضي المروية صنوف الثمار والأشجار، وصارت الشوبك تضاهي دمشق بخضرتها، وكثرة بساتينها وعذوبة وغزارة مياهها، وطيب هوائها، إلا أن الشوبك كانت تتفوق على دمشق بأنها مطلّة على مساحات شاسعة من البادية الشرقية والجهات الأربع، وجبال فلسطين، مما يزيد الناظر متعة والصدر سعة. وكانت تحكم بالطريق بين دمشق والقاهرة وجنوب فلسطين وارض الحجاز والبادية الى بلاد الرافدين شرقا . كما انها مهمة بالنسبة للكرك ايضا .

ثم وسّع الملك المعظم عيسى بن الملك العادل اهتمامه لسائر إمارة شرق الأردن الأيوبية، التي كانت تسمى: إمارة الكرك، وعزّز سلامة الطرق ورممها، وزاد في تحصينها، فازدادت أمناً، وازدهاراً، وازدادت القوافل من كل حدب وصوب، وارتفعت الإيرادات واستفاد السكان فائدة جمة، وبذلك نجد نجاحاً آخر لسياسة الأردنيين في عدم الدخول في الصراع بين المتخاصمين ثم التعامل مع المنتصر، فقد عقدوا الهدنة مع الصليبيين من قبل وكان في ذلك أمناً وسلامة لهم، والآن أعلنوا إخلاصهم للملك العادل وابنه الملك عيسى، وها هم يجنون الأرباح، وها هو برهان آخر أن الأردنيين، أو لنقل سكان هذه البقعة من الذكاء بحيث يستفيدون دائماً من مناسي الأقطار والشعوب المجاورة، وهذه حقيقة تاريخية لا زالت ماثلة ومتكررة وتحدث حتى يومنا هذا.

وما دام الشيء بالشيء يذكر، وإنه في حوالي 596هـ/ 1200م، مرت بديار البلقاء الأردنية قافلة قادمة من الشام في طريقها إلى الكرك على ما يبدو، وفيها عدد من جواري الملك المعظم عيسى، وعندما وصلوا قرية كفر هودا الواقعة شمال السلط، والمطلّة على الغور برزت لها عشيرة بنو رحمن ( وهم عشيرة الرحامنة / من عباد ) أصحاب تلك القرية، ونهبوا القافلة وسبوا الجواري، وما أن تناهى الخبر إلى الملك المعظم عيسى حتى استشاط غضباً، فسيّر حملة قادها بنفسه وهاجم القرية وقتل من قتل من بني رحمن، وشتّت من بقي على قيد الحياة، فتفرقوا في البلاد، ومنهم من ذهب إلى بلاد الشام ثم عاد فيما بعد من عاد منهم والتحق ثانية بعشيرة الرحامنة / بني عباد .

ولكي لا تتكرر هذه الحادثة، ونظراً لأهمية المكان والطريق فقد قام الملك عيسى ببناء قلعة السلط ووضع فيها حامية من جنوده وذلك لتأمين سلامة الطريق بين الشام ومصر والحجاز، ولملاحقة العصاة واللصوص وقطاع الطرق، لفرض هيبة الدولة على السكان، وبذلك أصبحت قلعة الكرك تتحكم بمرتفعات السلط والأغوار المجاورة، والتلال الشرقية.

ومن خلال الحادثة يظهر لنا أن الطريق بين الشام والكرك كانت تسلك عدة مسارات منها المسار الجبلي الذي يبدو أنه سيكون في الصيف، لأن الجبال مرتفعة ومغطاة بالغابات مما يوفر الظلال، كما تنتشر الينابيع، مما لا يحتاج معه الأمر لحمل الماء، وذلك بعكس الطريق الصحراوي الشرقي، وتقع كفر هودا في بقعة من الأرض عند أقدام طفّ كفر هودا، مما يبيِّن أن الطريق كانت تتجاوز من جرش إلى الرمان إلى عارضة عباد إلى كفر هودا إلى السلط، ومن هناك الفحيص وماحص وعراق الأمير ثم إلى وادي الشتاء (مرج الحمام) ثم إلى حسبان ومادبا ومؤاب والموجب وربة مؤاب فالكرك. وكانت هذه مناطق وافرة بالمياه، كما أن الغابات كانت تشكل حماية، مثلما كانت تشكل خطراً لقطاع الطرق واللصوص، ولكن يبدو أن حادثة خروج بنو رحمن (الرحامنة) كانت حالة مزرية، ذلك أن اللصوص كانوا ينتشرون في غور طبرية وبيسان.

وسَّع الملك عيسى من تحسين الأوضاع في إمارته الأردنية/ أو الكركية إن شئت، فحسَّن طرق الحجاج القادمة من دمشق إلى المفرق إلى الزرقاء (منبع نهر الزرقاء وقلعة شبيب)، إلى سيل عمان، إلى زيزيا إلى الحسا إلى معان، وبنى القلاع على الطرق، وعمل ما بوسعه لتوفير سبل الراحة والاطمئنان لضيوف الرحمن. وبني حمَّامين في معان واحد للرجال وآخر للنساء وسمح للحجاج باستخدامهما مجاناً. وأعدّ في معان دوراً لضيافة الحجاج تقدم المنام والماء والطعام مجاناً وأوقف لذلك أوقافاً من أراضي إمارته في ساحل فلسطين.

اعتنى بطريق الحجاج من مكة المكرمة عبر الأردن إلى مكة المكرمة، تحرسها القلاع والحصون على طول الطريق وفيها حاميات من الجند تقوم بحراسة هذه القوافل في ذهابها وإيابها، وبنى المساجد في هذه المحطات والاستراحات.

أما عجلون فكانت إقطاعاً لواحد من قادة الأمراء الصلاحية (أتباع صلاح الدين الأيوبي) وبها قلعة بني عوف ( الربض أو قلعة عجلون ) كما سبق وذكرنا. وقد تم القبض على أمير عجلون عز الدين بن أسامة وأودعوه سجن قلعة الكرك حتى مات، واستولى المعظم على أموال عز الدين بن أسامة وعلى قلعتي بني عوف وكوكب الهوى التابعتين له، وقد وجد في حوزته مليون دينار، وقام عيسى بهدم قلعة كوكب الهوى وأبقى قلعة بني عوف (عجلون) كما هي.

وسّع الملك المعظم عيسى اهتمامه لبقية أملاك إمارته، وهي الأغوار حيث جعله مكاناً يقضي فيه شتاؤه، تجنّباً لبرد دمشق والكرك، ولا شك أن الإمارة الأردنية (الكرك) نعمت بأمن واستقرار انعكس ليس على الناس وإنتاجهم فحسب، بل وأيضاً على حكام الأردن وهم الملك المعظم عيسى وأتباعه، حيث كان لا يطمئن لتخزين ذخائره وأسلحته وأمواله إلا في قلاع الأردن. وكانت تظهر بين حين وحين ثورات وثوار في دمشق وما حولها، ولكن لم تظهر ولا حالة واحدة من التمرد والثورة من الأردنيين ضد المعظم عيسى، لذلك أحبَّها جدَّاً، لأنه لا ينزعج إطلاقاً من طرفهم، ونشأت بذلك محبة متبادلة بينه وبين الأردنيين؟!!

صارت الكرك وإمارة شرق الأردن الأيوبية مضرب المثل في العالم العربي من الاستقرار والازدهار إلى درجة أن قادة الحملة الصليبية الجدد كانوا يطمعون السيطرة عليها ، واستطاع العادل من خلال القبول الأولي بإمارة الكرك ومن خلال هذهالامارة مكانا وشعبا اردنيا أن يوحّد الدولة الإسلامية بشقيها الشمالي (الشام) والجنوبي (مصر) والأردن تحت ولايته، مما أزعج الغرب وسيَّروا الحملة الصليبية الرابعة في سنة 600هـ/ 1202م والتي توجهت إلى دمياط في مصر، وعاثت فساداً، وعندما صارت المفاوضات بين الملك العادل والصليبيين، أصرّ الصليبيون على أخذ إمارة الكرك وفضّلوها على استعادة بيت المقدس.
لا شك أن الفرنجة عرفوا من الحملات السابقة أن السيطرة على الكرك تعني السيطرة على الشريان الحيوي بين الشام ومصر وفلسطين وجزيرة العرب وبلاد الرافدين ، وأن الصمود في بيت المقدس متعذّر إذا لم تكن الكرك بأيديهم، وأن انضمام الكرك إليهم سيسهُل عليم احتلال القدس، ورفض الملك العادل رفضاً قاطعاً، ذلك أن ذهاب الكرك يعني ذهاب الملك من يديه وأيدي أولاده، وأن بقاءها يعني وجود عناصر القوة والبقاء لاستعادة ما يمكن فقدانه في أي جزء من مملكته المصرية الشامية.

كانت الحملة الصليبية تنوي تحقيق عدة أهداف:

1. تدمير المملكة العربية الإسلامية الجديدة التي وحّدها الملك العادل وولده المعظم عيسى، والتي بموجبها تم إبعاد أولاد صلاح الدين المتناحرين، وحلّ محلهم عمّهم الملك العادل وأولاده.

2. السيطرة على الكرك لتحكمها بالشريان الاقتصادي في الشرق، ولخصوبة بلاد شرق الأردن التابعة لها. ولردع الهجمات البدوية من الشرق والصحراء.

3. السيطرة على فلسطين وسواحلها للاتصال المباشر مع أوروبا وديمومته.

4. السيطرة على بيت المقدس كهدف نهائي، لأن البدء باحتلاله سيثير الممالك الإسلامية وتبقى موحّدة، لكنهم لن يكونوا كذلك إذا كان الاحتلال يطال البلدان الأخرى، كما أنهم ( الصليبيون ) جاءوا والدولة الاسلامية موحدة، وعندما ينهبون ممتلكاتها تباعاً، تضعف الدولة الإسلامية، وتتمزق، ويصبح احتلال القدس أمراً يسيراً في نهاية المطاف على الفرنجة والمسلمين معاً.

تجمع الفرنجة في عكا وقوامهم خمسة عشر ألف مقاتل، فتحركوا إلى عين جالوت في غور الأردن، بينما نزل الملك العادل في بيسان، وكلا الموقعين من أعمال الإمارة الأردنية (إمارة الكرك). وعندما شعر العادل أن الفرنجة يريدون قتاله، وأن جيوشه متفرقة في البلاد، وليس معه إلا النذر اليسير منهم انسحب إلى عجلون ثم إلى حوران، وهناك أرسل في طلب العساكر من سائر مملكته المصرية والشامية، وتقدم نحو جوار دمشق، بينما استغل الفرنجة فراغ بيسان وما حولها من جنود الحماية المسلمين، فعاث الصليبيون الفساد في الأرض، وعملوا نهباً وقتلاً وسبياً وتشريداً، وحرقاً وهدماً لكل ما تقع عليه أيديهم، وكانت مليئة بالغلال والمواشي، فنهبوها جميعاً، وتقدموا نحو الشونة الشمالية في غورالاردن .

ساروا إلى المرتفعات الاردنية الشرقية، ووصلوا بلدة زحر القابعة على المرتفعات الشرقية، إلى الغرب من إربد، وفي مقابله بيسان ومطلة على الشونة الشمالية، وتفرقوا في مرتفعات وسهول إربد وعملوا نهباً وقتلاً وحرقاً وأسراً وسبياً حتى وصلوا الجولان، مما شكل تهديداً لدمشق، حيث تأهب أهلها، وحيث شعروا أن سقوط الجبهة الأردنية يشكل عليهم خطراً عظيماً وحقيقيّاً. ولكن الفرنجة عادوا إلى الغور ثانية وهم محمّلين بالغنائم والسبايا والأسرى من الاردنيين , في مناظر تدمى لها القلوب، ثم انسحبوا إلى عكا، بعد أن تعذّر عليهم فتح حصن الطور في غور الأردن، وبعد أن فقدت حامية الحصن الاردني عدداً كبيراً من الشهداء. وبذلك دفع الاردنيون ثمن عدم سماع صلاح الدين لنصيحتهم بقتل الصليبيين جميعا الاسرى منهم وغير الاسرى لانهم سيعودون حاقدين يقاتلون اهل البلاد ويسبون النساء والاطفال والاموال , وهذا الذي حدث . فظهر مثل اردني يقول Sad( اللي حسبناه لقيناه)) اي انهم لقوا الخطر الذي كان في حساباتهم وانها كانت حسابات دقيقة وصحيحة ولكن صلاح الدين لم يستمع اليهم .

بعد أن اكتملت استعدادات الصليبيين الجدد تحركوا إلى دمياط في مصر، وصارت معارك ومذابح تفوق الوصف والتصور، وتبيَّن الحقد الصليبي الذي مارسه أعداء الله، وأعداء المسيح ضد بني الإنسانية، وضد العرب من المسلمين والنصارى، وتخيّل الفرنجة أنهم إذا احتلوا مصر سيطروا على الديار العربية كاملة بما فيها فلسطين والقدس والأردن والشام وجزيرة العرب .

نقل العادل وولده عيسى الذخائر والمؤن من بعض القلاع المحفوفة بالخطر الصليبي، أقول نقلها إلى عجلون والكرك، وعززوا الجبهة الاردنية والتقوا زعامات العشائر الذين صاروا يتميزون غيضا لما حدث لابناء الاردن على ايدي الحملات الجديدة من قتل وسبي واغتصاب ونهب وسوء . وتنادى الاردنيون جميعا من شمالهم الى حنويهم ومن شرقهمالى غربهم , اقول تنادوا مرة اخرى في معركة جهادية ثارية انتقامية وضمن الابعاد التالية :

1- بعد الشرف الذي دنسه الصليبيون بالسبي والاسر والقتل والاغتصاب والتعذيب ويجب الثار له

2- البعد الوطني حيث ان الاحتلال مرة اخرى قد يجعل الاردن تحت الاستعمار لقرون اخرى وربما ابدية

3- البعد الجهادي والموت بشرف او الحياة بشرف والقتال في سبيل الله لان الدفاع عن العقيدة والارواح والاعراض والاوطان ضد الغزو الكافر هو جهاد واستشهاد .

4- الالتفاف حول الملك الايوبي ودعمه لانه مشروع ديني قومي وطني للجهاد والتحرير

5- تكاتف العشائر الاردنية لتحرير بلادهم وان من سلم منهم اليوم من الاذى لابد وواقع به غدا اذا بقي الصليبين في البلاد , اواذا لم يتوحد الاردنيون في هذه المعركة للدفاع والتحرير .

وبذلك نجد أن الأردن كانت بالنسبة للعادل وأولاده، وبخاصة المعظم عيسى، هي ملاذهم الآمن حقيقة وتوفي الملك العادل واستولى ولده عيسى على أمواله وخيوله وسلاحه وذخائره والجواهر النفيسة، فضلاً عن 700.000 دينار كانت في خزانته، وضعف هذا المبلغ في الكرك، وبذلك ترى أن الأردن كانت مخزنهم الآمن، بل وملاذهم الامن , فالمبلغ الذي أودعه في بلادنا هو ضعف ما كان معه وما أودعه في عاصمة ملكه، ومن هذا يتبيّن كم كانت الأردن مهمة، وأن سياسة أهلها التي سبق وذكرناها كانت سياسة ناجحة في استقطاب الملوك وأموالهم وأسلحتهم وذخائرهم.

آل الملك في مصر إلى الملك الكامل ابن الملك العادل، وصار ملك الكرك والشام للملك المعظم عيسى ابن الملك العادل . كان الملك الكامل يخشى عودة الصليبيين للسيطرة ثانية ليس على القدس فحسب، بل وعلى الأردن وسوريا، فهدم الحصون وأسوار القدس لكي لا تكون ملاذاً امنا وعسكريا وحماية للفرنجة .

ولكن عندما يكون القائد رخيصا ضعيف النفس لايهمه الا كرسي الهيبة الوهمية وخازوق الالقاب , فانه يبيع الامة كلها بدون حياء ولا ذوق ولا دين ولا شرف , وهذا مافعله الملك الكامل بن الملك العادل (شقيق الملك المعظم عيسى) الذي خان الامة والامانة من اجل عرشه ومن اجل ان يبقى للاسف الشديد ليس في العرش فحسب بل في قائمة الخونة والمتامرين على العرب والمسلمين . فقد عرض هذا الملك الكامل ( الهامل ) بن الملك العادل على الفرنجة تسليمهم القدس وفلسطين وسواحلها وعسقلان وطبرية وصيدا وجبلة واللاذقية وجميع ما فتحه صلاح الدين في الساحل الشامي، ما عدا الكرك والشوبك، مقابل انسحابهم ( الصليبيين الجدد ) من دمياط، واستعد لإعادة الصليب المقدس إليهم أيضاً الذي كان صلاح الدين قد أخذه على أثر معركة حطين قبل حوالي ثلاثين عاماً.وهو امر ثمين جدا بالنسبة لللصليبيين ,

ومن الغرابة أن الفرنجة أصرّوا أولاً على أخذ الكرك والشوبك، وأن أي عرض بدونهما لا يساوي شيئاً بالنسبة لهم، بل إنهم أعطوهما الأولوية على بيت المقدس، لأن ذلك يعني السيطرة على شرق الأردن وعصب الأتصال بين الشرق والغرب، والجنوب والشمال كما قلنا ,وعلى الحصن الطبيعي لهم، وأن السيطرة على شرق الأردن تعني إمكانية تمزيق الوحدة الإسلامية بسهولة، وأيضاً التوسع نحو الشام وفلسطين ومصر وجزيرة العرب من قاعدة قوية وخطيرة وحصينة . ولكن الأيوبيين رفضوا التضحية بالأردن أو بالكرك، لأنها بالنسبة لهم ورثتهم الثمينة، وملاذهم في جميع الأوقات، وكل طرف عرف أهمية الأردن والكرك معرفة تامة، وكل يرى أن السيطرة عليه تعني السيطرة على المملكة الإسلامية بما فيها القدس الشريف والشام ومصر وفلسطين . لقد حصنها ولجا اليها الفرنجة بعد سقوط القدس وصمدوا فيها سنة ونصف بعد النصر في معركة حطين وتحرير القدس .

ولسنا بصدد المعارك والاستعدادات بين الفرنجة والملك الكامل ( الهامل ) بن الملك العادل في مصر، لأن موضوعنا هذا هو محطات في تاريخ الأردن، ولكن نتيجة الحملة الصليبية على مصر كانت احزي الالهي , حيث شاء الله سبحانه أن مياه النيل غمرت معسكر الفرنجة، فراحوا شتاتل واشتاتا بين قتيل وأسير، وانكسروا شرّ كسرة، واسترد الملك الكامل مدينة المنصورة.

توفي الملك المعظم عيسى بن الملك العادل، وخلفه أكبر أولاده الملك الناصر بن عيسى المعظم ، فطمع عمه الملك الكامل ملك مصر بالشوبك وطلبها من ابن أخيه الناصر، في خطة واضحة وخطوة أولى لأخذ الكرك والأردن، فبدأ بما يمكن أن يبدو سهلاً وبسيطاً، إلا أن الملك الناصر داود كان قد رضع الحرص على تراب الأردن كله مع لبن أمه، ومن الواضح أنه تعلم من جده الملك العادل، ووالده المعظم عيسى أن الأردن هي الملاذ الآمن والاهم والاقوى , وانه بدونه لايمكن توحيد او تحرير الديار الاسلامية ، وأن الحفاظ عليها يعني الاستمرار في الملك، وأن ضياعها يعني ضياع الملك من هذه العائلة، وهو الدرس الذي لم يتعلمه صلاح الدين ولم يعلمه أولاده، بل تعلمه أخوه العادل واولاده كما قلنا.فضاع الملك من اولاد صلاح الدين الذي اساء للاردنيين بروح الحقد العباسي , وصار الملك للعادل والولاده عندما عرف اهمية الاردن على حقيقتها وتودد للاردنيين وطيب خواطرهم . لقد كانت علاقة صلاح الدين بالاردنيين علاقة كسر عظم ىينفع معه الاعتذار , لذا لم يقف الاردنيون مع اولاده ضد عمهم واولاد عمهم . اما العادل والمعظم عيسى فقد احسن اليهم ايما احسان وكانه بذلك يعتذر عما بدر من اخيه ( صلاح الدين ) بل ويطعنه لما فعله بالاردنيين .

غضب الملك الكامل ملك مصر على ابن أخيه الملك الناصر داود بن المعظم عيسى وقرر إزاحة الناصر داود عن وجهه، واحتواء الأردن أن تكون جزءاً من ممتلكاته، وحاول تشويه صورة الملك الناصر على أنه مشغول باللهو والصيد، فانتزع أجزاءً من فلسطين (نابلس والقدس والخليل وأعمالهما) وكانت جزءاً من مملكة الكرك الأردنية. محاولاً الوصول إلى دمشق وطرد الناصر داود، لتكون السيطرة على شرق الأردن أمراً سهلاً في نهاية المطاف.

استنجد الناصر بعمه الملك الأشرف في دمشق , ولكن الاشرف والكامل باعا ابن أخيهما الناصر داود بن المعظم عيسى، وصارت الأردن من أملاك الأشرف بما فيها دمشق ( تابعة لدمشق ) وفلسطين من أعمال الكامل، وترحيل الناصر إلى بادية سوريا. وكان هدفهم الواضح إخراجه من شرق الأردن، لأن وجوده هناك يبقى قوة له عليهم، ولديه شعب اردني مخلص معه، ويقف معه، ويقاتل دفاعاً عنه، وقد أدى ذلك إلى صراع الأخوين مع ابن أخيهما وحصارهما لدمشق.

وجد الملك الكامل ملك مصر أن السيطرة على دمشق والأردن أولى من السيطرة على فلسطين وبيت المقدس، وليس هذا مكان الخوض في تفاصيل المفاوضات بين الملك الكامل وصديقه إمبراطور صقلية الملك فردريك.


عدل سابقا من قبل admin في 14/11/09, 02:32 pm عدل 1 مرات
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://SwsLink.yoo7.com
admin
Admin
Admin
avatar

عدد المساهمات : 1123
نقاط : 21628
تقييم الأعضاء للمشاركات : 171
تاريخ التسجيل : 02/05/2009
العمر : 30
الموقع : http://SwsLink.yoo7.com

مُساهمةموضوع: رد: تاريخ الاردن وعشائره   14/11/09, 02:26 pm

ولادة امارة شرق الاردن الايوبية وعاصمتها الكرك1229

أما الملك الناصر داود بن الملك المعظم عيسى , فقد كان منذ زمن أبيه حريصاً على بقاء الكرك واعتبارها الملاذ الآمن الأخير، فغادر دمشق يوم الجمعة 12 شعبان سنة 626هـ، 6/7/1229م، وبذلك وُلدت إمارة الأردن/ أو إمارة الكرك مرة أخرى، دون المساس بشرق الأردن كجزء من أعمالها وأراضيها، ما عدا الشوبك، كما ذكرنا قبل قليل، وأن الدارس لخارطة إمارة الأردن الأيوبية/ إمارة الكرك/ وعاصمتها الكرك، وإمارة شرق الأردن فيما بعد ليجد تطابقاً لم يأت من فراغ بين الخارطتين والكيانين، فقد كانت الإمارة الأردنية الأيوبية حلاً لمشكلة الملك الناصر داود بعد أن هيأها والده المعظم عيسى وجده الملك العادل، ومن قبلهم البارون الصليبي أرناط أو رينولد (لفظان لمسمى واحد)، واستقرت هوية إمارة الاردن الكركية الايوبية أرضاً وشعباً وهوية ، وصارت العشائر تشعر أن لها إمارة خاصة وادارة مركزية بها , ولكن بعد مرور عدة قرون من الضياع , وان كانت اقامتها في جميع الحالات لحل اشكاليات الخلافات الصليبية والايوبية والمملوكية عندما يكون امير مهم منهم ليس له امارة ويريدون حل مشكلته وارضائه ليسكت , فيعطى شرق الاردن .

في الكرك التأم شمل الناصر داود بوالدته السيدة القوية تجمعهما السلطة والصراع من أجل البقاء، وكره الملك الهامل (الكامل) والملك الأشرف، بل وكره البيت الأيوبي برمته رغم أنهما منه، ويجمعهما أيضاً الأمومة والبنوة، وحبّ الكرك وأهل الكرك، أي أهل الأردن، وصار يوم 6/7 ( السادس من تموز ) اليوم الوطني لتأسيس مملكته الكركية الأردنية، وهو اليوم الذي قطع صلته بدمشق والشام، وصار مكرّساً للأردن وعاصمتها الكرك، ووجد أن حاضره ومستقبله ومصيره فيها، ولا خيار له غيرها، وقد أدى ذلك إلى الاستقرار السياسي في رأس الدولة والحكم في هذه الإمارة . وهنا نجد أن لا مناص من التحليل في الأحداث السابقة:

1. كانت الحروب الصليبية استعمارية حاقدة، لا علاقة لها بالنصرانية ولا المسيحية ولا المسيح ولا السيدة مريم عليهما الصلاة والسلام، وإنما كانت نمطاً من الانتقام الاوروبي من المسلمين امام هزائم الروم في مؤتة وطبقة فحل واليرموك من قبل , وايضا نمطا من التوسع الاستعماري للأوروبيين، حيث لم يكتشفوا العالم الجديد بعد، وهم يطمعون للثروة والجاه والسلطة والقتل وسفك الدماء , هذا السفك والعنف والوحشية والبطش الذي ورثوه عن نظام الإقطاع في الاقتتال الداخلي حتى صار هذا جزءاً من التكوين الوراثي في دمائهم، وكان الشرق العربي ضحية لهم، وعاثوا في الأرض فساداً.

2. إن هذه الحملات هي استمرار للصراع بين الشرق والغرب الذي رأيناه زمن اليونان والرومان، واستعمارهم لبلادنا قرابة ألف سنة، انتهت بالتحرير العربي الإسلامي للبلاد من الظلام الروماني والغربي , ذلك التحرير الذي تم بدعم ومؤازرة حقيقية من قبل الاردنيين . إنه صراع حضاري وثقافي ، وكان اليونان والرومان فرضوا عبادة آلهتهم على شعوبنا، وأقاموا المدن وأتوا بالهجرات والموجات البشرية واستوطنوا ديارنا، وهو الأمر نفسه الذي مارسه الصليبيون ولكن ليس باسم الإسكندر وعشتروت وفيليب وقسطنطين، وإنما باسم الصليب المقدس الذي لاعلاقة له بالمسيح ولا بالمسيحية ولا بنصارى العرب الذين كانوا اول ضحايا الصليبيين .

3. عندما حضر الصليبيون إلى بلادنا كان العنصر العربي مغيبا تماما عن مواقع القرار، حيث كانت الخلافة العباسيةة التي لم تثق بالعنصر العربي وابعدته لحساب تقريب الاعاجم من ابي مسلم الخراساني الى البرامكة الى الترك الى الفرس الى الترك ,الى ان صارت الخلافة والعرب تحت هيمنة السلاجقة الذين احتلوا سوريا وفلسطين والأردن، وأصبح الخليفة العباسي لديهم دمية يلعبون به كيفما شاءوا. وهذا يقودنا إلى نقطة هامة ونتيجة حتمية وهي أن بعد الحكماء والعقلاء والاصلاء عن مواقع القرار وإعطائه للغرباء والجهلاء والحمقى والنكرات , يؤدي في النهاية بالجميع إلى دفع الثمن غاليا ، وهذا ينطبق على كل مكان وزمان ودولة وشعب ونظام وحكم، وكانت مواقع القرار بأيدي الأعاجم الذين قضوا على كرام العرب وداسوا كرامة العرب ، ونصبوا من انفسهم امراء على امتنا , بينما استخدموا العرب كجنود للقتال وعدة للحرب فقط . ولم يكن الأعاجم على درجة من الكفاءة لمعالجة الأمور، والدفاع عن حياض الأمة، وإنما انشغلوا بالمناصب والمال والبهرجة والسلطة والمؤنرات وسحق العنصر العربي ,. وكل ذلك من مخلفات اخطاء حكم العباسيين .

4. التناحر والتنافر بين الحكام والأسر الحاكمة على الحكم من هؤلاء الاعاجم ، مما أعطى فرصة التمكين للصليبيين وما قاموا به من احتلال وانتشار سهل في بلادنا، وصار من الصعب اجتثاثهم إلا بعد عشرات السنوات دامت حوالي قرنين ونيف، هذا فضلاً عن شلالات الدماء والأرواح التي أُزهقت، والسبايا والأسرى والاغتصاب والنهب والسلب الذي طال أموال الناس الخاصة، والأحوال العامة، ويمكن أن نتخيل مئات آلاف الآمال الشخصية والعواطف التي ذهبت بين الضجيج والصياح والأنات وتحت سنابك خيول العلوج وروائحهم النتنة . فكم من عذراء كانت تأمل بحياة هائنة راحت سبيَّة أو قتيلة أو أسيرة او مغتصبة وتحطمت آمالها ومشاعرها تحت الاغتصاب الوحشي من العلوج الى يوم القيامة ، وهي مسلمة تشهد أن لا إله إلا الله محمد رسول الله. وكم من قرار ارعن رخيص مثلما هو قرار الملك الهامل قد حط من كرامة الامة ومن تضحيات الشهداء ؟ وكم من عدم سماع المشورة من اهلها قد الت الى مال اليه الامر بسبب عدم سماع صلاح الدين لنصيحة الاردنيين في قتل الصليبيين عن بكرة ابيهم . انها اخطاء المسؤلين والتي دفع العرب والعروبة والاوطان ثمن ذلك كله .

وكم من طفل تبخرت براءته وراحت تحت حوافر الخيل، واسنان الحقد الصليبي , وسنابك الأحذية , وكم من ام وثكلى تمزقت بين الأسنة ورؤوس الرماح، وضربات السيوف، وكل ذلك بسبب ضعف الدولة الإسلامية، بسبب غياب العنصر العربي، وهيمنة العنصر الأعجمي الذي لا يتحرك دمه لصيحة عذراء عربية، أو لطلب نجدة من امرأة اغتصبها علج أو قتل ولدها بين يديها وأمام ناظريها، ولا يوجد شعب على وجه الكرة الأرضية عانى من الاضطهاد والقتل والسلب والتشريد والاغتصاب مثلما عانى العرب المسلمون في كل بلد في الدنيا وفي الأندلس , وأن مجرد قراءة الأحداث تجعل قلب شخص مثلي يتفطر حسرة وحزنا ، وعيناه تفيضان دمعاً، لأني أعيش هذه اللحظات بتصور كامل وشامل. ولانني مسلم متدين متمسك بديني وعروبتي , منحاز لقوميتي العربية بكل تاكيد , القومية التي لاتتنافى مع الاسلام والوطنية .

5. ظهر صلاح الدين الذي جمع بين التربية الكردية العسكرية القاسية والتربية العربية التي تعلم منها صدق الوعد والعهد والرأس البارد، والغيرة على أرض الإسلام وأعراضهم وأموالهم، وكلها ممزوجة بدوافعه الشخصية في اعتلاء العرش وتوحيد مصر والشام وأنه لا سبيل لتحرير فلسطين بغير توحيد الجبهتين وتأمين الجبهة الأردنية أو تحييدها وهذا ما حدث. وقد لعب الحظ دوره مع صلاح الدين فنصره الله في معركة حطين لأنه كان أعدّ نفسه جيداً لذلك، ولان الاردنيين ساندوه بدون مال بل دفعوا المال , وبدون مكافأة بل دفعوا المكافئات للاخرين لكي يبلوا بلاء حسنا وبدون من ( بتشديد النون ) على احد ولكننا نعاني من المن الوهمي علينا . وكان الصليبيون لا يتصورون أن تكون هذه المعركة هي الفاصلة , وإنما تصوروا أنها نهاية صلاح الدين ودولة الإسلام ونهاية العرب والعروبة جنسا ولغة وثقافة وهوية وقومية , وبالتالي التوشع الصليبي واعادة احتلال الأراضي العربية التي كانت تحت سيطرة الرومان وهي مصر والشام والأردن وفلسطين، على انه تحرير لديارنا منا نحن العرب اهلها الحقيقيون ، ولكن الله سبحانه شاء أن كتب النصر للقوات الإسلامية بقيادة السلطان صلاح الدين، وفاز عليهم وقتل أمراءهم وترك الباقين وليته سمع من الاردنيين ولم يترك احدا .

6. هناك في عرف العمل العسكري ما يسمى الفوز بالحرب أو المعركة، وما يسمى استثمار الفوز، وأن بين الفوز واستثمار الفوز بون شاسع او خيط رفيع ، ولا شك أن صلاح الدين قد فاز، لكنه فقد فوزه بعدم استثمار الفوز وكانت الأخطاء التي وقع فيها هي أنه تصرف كعربي عاطفي، وترك عتاة الكفر والحقد يذهبون أحراراً رغم أنهم قادة وعقليات خطيرة، يحبهم الصليبيون جداً، ويلتفون من حولهم، ويتوحدون ليعيدوا الكرة مرة اخرى في قتالنا وقتلنا , فتركهم أن يسيروا إلى صيدا، وكان عليه أن يعرض عليهم الإسلام أو القتل، ولكنه لم يفعل واحدة من هذه.

إن هذا التصرف يدل على أن صلاح الدين تصرف تصرفاً فردياً دون استشارة علماء الدين، وقادة الجيش في ذلك، وخالف راي الاردنيين بابادة هؤلاء , وأعطى فرصة للصليبيين أن يبقوا في بلادنا مائة عام آخر، وأن يعودوا زمن الملك الهامل (الكامل) ابن أخيه العادل فيتسلمون القدس مرة أخرى على طبق من ذهب وورود وريحان. وقد انتقده ( انتقدوا صلاح الدين ) مؤرخوه المعاصرون لقراره هذا الذي كان بعيداً عن الحصافة والحكمة والذي قرع سنّ الندم فيما بعد واعترف بخطئه، ولكن بعد فوات الأوان، وفي ذلك يقول سبط بن الجوزي: "لقد فات السلطان الحزم بتسيير الفرنج إلى صور، ولم ينظر في عواقب الأمور، فإن اجتماعهم (أي تجمعهم هناك) بصور كان سبباً لأخذهم البلاد وقتلهم بعكا من قتلوا من الأعيان وأجناد الإسلام، وقد كان الواجب عرضهم على الإسلام فإن أبو فالسيف وهو أصدق أنباء من الكتب، وإني (ولا زال الحديث لسبط الجوزي) أشبه هذه القضية بفدية الأسارى يوم بدر حيث أشار بعض الصحابة بأخذ ذلك القول، وبعضهم أشار بضرب الرقاب" انتهى التضمين.

ولا يستطيع كاتب معاصر لأي سلطان أن يوجه انتقاداً لسلطانه بأقوى وأقسى من هذه الكلمات التي وجهها ابن الجوزي لسلطانه صلاح الدين، وأما ابن الأثير فقد وجه انتقاداً حادّاً للسلطان صلاح الدين واعتبر قراره في عدم قتل الأمراء والملوك الفرنجة تفريطاً منه بالقضية المقدسة، وعدم استثمار للفوز، حيث يقول: "وكان ذلك كله بتفريط صلاح الدين في إطلاق كل من حصره، حتى عَضَّ بنانه ندماً وأسفاً حيث لم ينفعه ذلك" انتهى المراد نقله (أهـ).

ومن هذا النص نجد أن ابن الأثير كان غاضباً جداً، فلم يعطي أية صفة للسلطان، بل ذكر اسمه بدون ألقاب، وأسند اليه جريمة التفريط بالقضية العربية الإسلامية، وإطلاق سراح العتاة والقتلة والقادة، وكان عليه قتلهم، ويبيِّن أن صلاح الدين أدرك فيما بعد عظيم ما ارتكبه من خطأ، وعضّ بنانه ندماً وأسفاً، ولكن لا ينفع الندم بعد فوات الأوان.

7. النتيجة أن الصليبيين انطلقوا ثانية من صور وقتلوا أهالي عكا وأعيانها ورجالها وجنودها، وهذا ما جعل الجميع من السلطان صلاح الدين إلى أدنى جندي يشعرون بالحزن والأسى، على ما فرّطوا، بسبب العاطفة وعدم استثمار الفوز. ولكنها عجلة التاريخ، ولا فائدة من الندم على ما مضى، لكنه درس للأجيال التي جاءت بعدهم، ولكن مأساة الأمة العربية أنها لا تقرأ، ولا تعتبر , ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.

8. الملفت للنظر أن أهل الأردن لم يدخلوا في هذا الصراع إطلاقاً، وربما ساعدهم ذلك على الاحتفاظ بقوتهم وأن يوجهوا الانتقادات لمن شاءوا ولا يلومون أنفسهم لأنهم كما يقول المثل الأردني: المهم سلامة راسي . وقد أعطى هذه الموقف أهمية للأردنيين، حيث سلمت أرواحهم وأعراضهم وأموالهم ومواشيهم من أذى الحرب، وإن أصابها الأذى بسبب ما فعله صلاح الدين في مزارعهم وقراهم، ولكن ما فعله صلاح الدين بالتصرف العاطفي زاد في خطره على المسلمين مما كان من خطر صمت الأردنيين.

9. إن موقف الأردنيين جعل بلادهم ملاذاًَ آمناً للأردنيين الذين عادوا إليها من كل حدب وصوب , ولأبناء فلسطين الذين فروا بأعراضهم وأرواحهم، ولم يتعرضوا لأي نوع من الأذى من قبل الأردنيين، وإنما وجدوا الترحاب والاحترام.

10. وقد طوّر الأردنيون عبر التاريخ نظامهم الاجتماعي الذي يحكم علاقات الأفراد والجماعات بما يحقق لهم البقاء والحياة، فصارت العطوة والصلح، والقضاء العشائري، والجلاء، والتسامح، وأن يلتحق الشخص بهم فيصبح واحداً منهم خلال أربعين يوما من العيش بين ظهرانيهم ، وذلك في المثل الأردني الذي يقول:

"من عاشر القوم أربعين يوم صار منهم"

Whom he lives forty days with a group or among them becomes one of them (i.e. Becomes part of them, having the same rights, and bears the same responsibilities).

11. إذن استقر الملك الناصر داود في الكرك عند شعب هذه صفاته، وهو جزء من قيادة عربية إسلامية متناحرة متنافرة، كل واحد يريد طرد الآخر وأن يأخذ بلاده، لهم ( اي هؤلاء الملوك ) نفوس لا تشبع، وآذان لا تسمع، وقلوب لا تتورّع، للأسف الشديد. ولا شك أن بقية الأمراء كانوا ينظرون لأهل الأردن على أنهم أناس متقاعسون لا يصلحون لحرب ولا لمعركة ولا خطر منهم ضد مملكة الشام أو مملكة مصر، أو مملكة الفرنجة الجديدة في القدس الشريف.ولكن من لايطال القطف يقول عنه انه حصرم .

أمام هذا الوضع والتحدي، أراد الملك الناصر داود أن يثبت لهؤلاء جميعاً، أنه ملك على شعب شجاع وهو الشعب الاردني ، فيه طاقات كامنة قادرة على حماية بلده من جيوش الشام ومصر والفرنجة، وفوق هذا قادرة على تحرير القدس مرة أخرى التي فرّط بها الملك الهامل (الكامل). لقاء الحصول على خازوق عرش دمشق والحفاظ على الخازوق الخشبي لعرش مصر ، وبئس ما اشترى.

12. من خلال الأحداث نجد أن الملك الناصر داود التحق بوالدته في الكرك، وأن أمه لم تتزوج رغم صغر سنّها (في الأربعينات بعكس البارونة التي تزوجت رينالدو الشرير وكان زوجها الثالث )، وأنها بقيت في الكرك وفضلتها على مصر والشام وفلسطين، نستطيع القول أن همها كان نجاح ولدها في إدارة إمارته الأردنية، وحمايته من أعمامه في مصر والشام والبلاد الشرقية، وأن يستقطب الأردنيين من حوله، وأن يشكِّل جيشاً عربيا اردنيا خاصاً قوامه من ابناءالعشائر الاردنية ومن لحق به من مماليكه والمخلصين له من الشام ومصر، وأن يقوم بتحرير المسجد الأقصى والقدس، ليكون في مصاف صلاح الدين الأيوبي (عم والده).

ومن خلال الأحداث يتبيَّن أن هذا الملك الشاب الذي كان لا زال في العشرينات لا بد وكان يستمع لأمه برأيها الحكيم الناضج لأنها أحرص الناس على نجاحه , وهي التي رضعت السياسة مع زوجها الداهية الشجاع المخلص الملك المعظم عيسى بن الملك العادل بن أيوب، ومن الواضح أن هذه السيدة قد تخلّت عن كرديتها وأعجميتها وصارت أردنية عربية، وأرادت تحويل الكرك إلى عاصمة عربية اسلامية استقطبت الأدباء والشعراء والعلماء باللغة العربية وليس بغيرها من اللغات .

ومن الواضح أن هذه السيدة الفاضلة كانت مدرسة لولدها، وحضنا دافئا وعشا رؤؤما له ايضا , وأنها تنفّست الصعداء أن يكون ولدها أمام ناظريها وفي قلعة العقاب العصّبة على سائر أعدائه، وأنه يمكن لملك الكرك أن يحتل القدس ودمشق، ولكنها تستعصي على ملوك القدس ودمشق. وقد صار يوم 12 شعبان 626هـ اليوم الوطني لمملكة الكرك أو إمارة الكرك كما تريد تسميتها، لأن المناسبات كانت تحسب بالتوقيت العربي القمري وليس الشمسي الأفرنجي.

واضح أيضاً أن هذه السيدة وولدها أرادوا لإمارة الكرك أن تأخذ مكانها وأن يكون له موقع على خارطة الأحداث ووقائع التاريخ، وبالفعل تحقق ذلك وصار بلاط الناصر في الكرك محجّاً للعلماء والشعراء والفقهاء، وكان هو بنفسه شاعر بالعربية، يزهو ويفتخر بعروبته وكركيته وأردنيته، وإلا كيف يمكن أن يستقطب أهل الأردن من حوله إذا لم يشعرهم أنه عربي أردني منهم؟ لقد عرف طبيعة الأردنيين أنهم ينظرون إلى كل غريب بصمت لا يهمهم ذهابه ولا إيابه، فإن صار منهم فدوه بأرواحهم وصار له ما لهم وعليه ما عليهم / هذا هو العرف الاردني والعقلية الاردنية .

كان يجزل العطاء للعلماء والشعراء والفقهاء، وقد ذكر التاريخ العديد من العلماء الأجلاء الذين عاشوا في بلاطه، ووجد وأمه أن العلم يزيده قوة وهيبة وحكمة، ونستطيع القول أنه ربما شكّل مجلساً من العلماء وأهل الحل والعقد، واستكمل بنية الدولة، لكي تقوم على المؤسسات وليس على شخص أو فرد، وأنشأ جيشاً خاصّاً من الأردنيين: الجيش الأردني، فكان واحداً ممن دخل التاريخ في هذا الإطار، فقد كان ميشع له جيش هو الجيش الأردني المؤابي، ثم صار الجيش الأردني النبطي، وهذه المرة الثالثة في التاريخ التي يتكون فيها جيش أردني من أهل الأردن فقط للدفاع عن البلاد، تحت قيادة ملك أو أمير اردني واحد.

بعد بناء الجيش الاردني أعاد صيانة القلعة وزيادة ارتفاع الأسوار والأبراج، وشكل حكومة اردنية تابعة له، فيها العديد من الوزراء ومن أهمهم (كما ذكر سبط الجوزية) الوزير شرف الدين بن الأمير محمد بن عبد الوهاب الأنصاري، وكذلك اتخذ قاعة للعرش كما هو شأن الملوك في الأزمنة الغابرة/ منذ زمن الوثنية إلى يومنا هذا، وكانت قاعة كبيرة في القلعة سماها القلعة الناصرية نسبة إليه واسمه الملك الناصر داود , واستخدمها وبقيت لهذه الغاية في الأزمنة اللاحقة، واستخدمها الأمراء والملوك من بعده.

خطط الناصر ومجلسه من أهل الحل والعقد، ووالدته أن تضيف الى إمارة الكرك دوراً آخر إلى أدوارها، بأن تكون نقطة التوازن بين مصر والشام، إذا مالت مع أحدهما انتصر على الآخر، ويصبح الطرفان كلاهما بحاجتها، حيث لها جيشها الخاص بها، ومواردها التي حققت لها الاكتفاء الذاتي، وقد أدرك الاخوان : كل من ملك مصر الملك الهامل (الكامل) وملك دمشق الملك الأشرف هذه الحقيقة، مما اضطرهم لتغيير أسلوب تعاملهم مع ابن أخيهم، وكل صار يخطب ودّه , وفي الحقيقة انهم يتربصون به الدوائر على نمط المثل الاردني : ( قال اكبي لك , قال : صاحي لك / يعني ان يتظاهر الخاذع بانه ينعس ( النعاس ) لكي ينام الطرف الاخر فيسرق النائم الذي يدرك الحيلة ويقول للخداع انني اعي ماتريد / صاحي لك )

أدركت أم الملك الناصر كما أدرك هو أن والده لم يكن لديه وقت يخصصه لولده، وبالتالي كان الناصر غير متمرس بالسياسة، فانكبّ على الدراسة على أيدي العلماء الذين أجزل لهم العطاء ودرس العلوم والآداب والشعر، وكان جهله هذا قد أدى إلى ضياعه لعرش دمشق في أول زلزال سياسي يمرّ به، وإذا كانت دمشق واحداً من آماله، إلا أن الأمل الأول هو البقاء في الكرك وبنائها، وأن تصبح قوة منافسة لكل من مصر والشام، أو على قدم المساواة مع أقوامها.

وكما هي العادة عبر التاريخ حتى يومنا هذا، فإن الشعب الأردني مغيَّب دائماً عن ذكره او الحديث عنه او انصافه في الوقائع التاريخية أو ظهوره على مسرح الأحداث، ويبرز بدلاً منه القادة والأمراء والملوك واسرهم ( مفردها اسرة ) واتباعهم وبطاناتهم ومطيباتهم وكان الشعب الاردني مجهول او غير موجود ابدا ، وربما يعود ذلك لعدة أسباب:

1. أن موقع الأردن الجغرافي، وكما سبق وقلنا، ممتد امتداداً طولياً بين الخضراء غرباً وشمالاً، والغبراء أو الصحراء شرقاً وجنوباً وبالتالي فهو معرَّض للعبور والاستقرار من أي جهة تأتيه من خارج بلاده، وإذا كان سيقاوم كل قادم، فإن الفناء سيكون نصيبه، ولكنه (الشعب الأردني) اعتاد الاحتواء للقوى القادمة، فإن كان فرداً أو مجموعة صاروا جزءاً من هذه القبيلة أو تلك، وإن كانت قبيلة كبيرة تحولت إلى إمارة أو مملكة وشواهدنا موجودة في الممالك الأردنية عبر التاريخ، وإن كان جيشاً غازياً فإن همه هو الحصول على الميرة والطعام والشراب، وإلا يجد مقاومة من الأهالي، فيقوم الأردنيون بتجنبه أو الترحيب به، وتقديم الطعام له، لكي يتركهم وشأنهم، لذا برز عندهم مبدأ اسمهSad( يعشِّي ويمشي )) , وايضا : (( حمل وزمل ( يتشديد الميم في الاولى والثانية ) )

لا يوجد مبدأ "تعشِّي وتمشِّي إلا عند العشائر الأردنية لأن هذا مرتبط بالديار التي تكون معبراً للغزاة، وفي حالة رفض المجموعة أو العشيرة سلوك هذا المبدأ، او ممارسة هذا السلوك , فإن الغزاة يهاجمونه، ويدفع الثمن ويتم سلبه ونهبه، من هنا، فإن بتقديمه لوجبة طعام مع معلومة حول الطريق الصحيح للمرور والعبور , يصبح امنا من النهب والقتل والسلب، أي أن الخروج بأقل الخسائر خير من الخروج بأعلاها.

2. إن الأردنيين ينظرون للغريب أنه قد يمسي في دياره، ويصبح في ديار أخرى، وبالتالي فهوفراري أي طيار / فار/ من الفرار أي متحرك، أي غير ثابت flying, unstable, shaky , unsettled، أما الأردني فهو بالنسبة لهم قراري/ اي مستقر ومتجذر في البلادrooted، فالفراري يحتاج للحصول على الماء والغذاء والمعلومة عن امن الطريق او موقع الهدف ، ثم يواصل مروره أو عبوره، والقراري يبقى في دياره في ظروفها الحلوة والمرة. ومن المبادئ في ذلك أنه في حالة قتل القراري لواحد من أعضاء مجموعة الفراري فإن القاتل لا يأخذ عطوة، truce، وأن أخذها فإنه لا يجلو does not evacuate، أما إذا وقع ذلك من الفراري flying، فعليه أن يغادر الديار إلى غير رجعة بعد أن يتعرض للثأر والانتقام والسلب والنهب.

من هنا فالأردنيون أوجدوا نظاماً اجتماعياً لأنفسهم من أجل الحفاظ على ذريتهم في هذا البحر المتلاطم الأمواج، من الصراعات بين الأقوام، فلا يدخلون في العداوات والصراعات ، لأن دخولهم طرف يعني الخسارة، وبالتالي فإن موقفهم هو مبدأ: ما يخصّني does not concern me، وإذا جلسوا ليلاً وتذاكروا الأمور، واتفقوا على غير ما يتفق مع هذه المبادئ، تركوه في الصباح وعادوا إلى ما اعتادوه، لذلك يقولون كلام الليل مدهون بزبدة the night speech in panted by butter. أي أنه للحديث فقط وليس للإجراء، لسماعه وليس لتنفيذه، للتسلية وليس مبادئ يتوجب التمسُّك بها.

وبناء عليه، فإنك اذا ماحضرت مجالس الأردنيين سمعت من البطولات الوهمية، وهي دائماً تتحدث عن الماضي، وكل يقول، كان أبي وجدي، وهو يسرق بطولات الآخرين أو يخترع بطولات وانساب ومنجزات وهمية من عنده لا أساس لها من الصحّة، فإن سمع الغريب ذلك طارت نفسه شعاعاً ورعباً وهيبة، فإن حدثته نفسه بسوء ضد هذا القوم توهم أنهم أشجع من عنتر والزير سالم فيقبل بالضيافة، ومبدأ: يعشِّي ويمشِّي، وهذه طريقة من الطرق العديدة التي سلكها الأردنيون من أجل البقاء والاستمرار ببلدهم.

3. الهدايا والتهاني، قد لا أبالغ إن قلت أن الشعب الأردني ـ عبر التاريخ ـ هو أكثر الشعوب تقديماً للهدايا إلى المسؤولين والحكام ، ونرى يوحنا بن رؤبة الغسّاني كاهن أيلة يقدم هدية لرسول الله صلى الله عليه وسلم ، وكذلك فعل أبو فروة الجذامي، وهذه سنة أردنية كانت من قبل ومن بعد، وهي أيضاً سنّة إسلامية "تهادوا تحابّوا". ولهذا أصل عند الأردنيين، أن الهدية عادة تقدَّم من الضعيف إلى القوي، وذلك لاكتفاء شرّه وبطشه، فتكون الأمور أهون على القبيلة أو الشيخ أن يقدم هدية لزعيم أقوى، أو لقائد محتلّ أو عابر، لأن الهدية تعبير عن الصداقة والمحبة (تهادوا تحابوا)، فيقبل بها هذا القوي، وتتحول مشاعره للبطش والفتك إلى مشاعر المودة والاحترام، ويأخذ حاجته، دون أن يهلك الحرث والنسل، وإن كانت حالات قد تجاوزت المودة إلى الفتك والدمار، كما سبق وذكرنا.

وأما التهاني، فإن الشعب الأردني عبر التاريخ مغرم بتقديم التهاني بالمناسبات سواء مشاركة العزاء، أو الأفراح، لأن ذلك أيضاً يخفف عنهم غلواء الأعداء والعداوة، وعندما يجد القوي أو المحتل أن الناس هنا بالأردن قد جاءوا يقدمون له التهاني التي عادة ما تكون نسخة مكررة منذ الوثنية والجاهلية والنصرانية والإسلام حتى الآن، أقول عندما يجد ذلك يأنس بالناس، ويعتقد أن ذلك جاء بسبب محبتهم له، وهم يضحكون عليه، معتقداً إخلاصهم له، وهم يريدون التخلص من أذاه، ويبتسمون له وهم يضحكون عليه، ويرقصون له، وهم يتخيلون أنفسهم يرقصون للخلاص منه، وهم يغنون لكل شيخ او حاكم وهو يتوهم انه حقق المعجزات , وهم انما يطربون ليس الا , وبقيت هذه العادة سارية منذ زمن الوثنية الى يومنا .

وحتى في العصر الحديث لو تتبعت مناسبات تشكيل الحكومات أو غيرها من المناسبات العالية الشأن وجدت الوجوه نفسها تردد الكلمات التي قيلت للخصم السابق: مبروك، أنت لها، سنرى الخير على وجهك، أعطي القوس باريها، أنت أفضل من جلس على الكرسي، وجهك علينا وجه خير ونعمة، كنا ننتظر قدومك من زمان، كانت فرصة تاريخية أن ارتحنا من سلفك، وهذه كلمات تقال للبرّ والفاجر، وأيضاً: أعطنا يوماً تتغذى فيه عندنا، وأيضاً الناس في سعادة مطلقة لأنك صرت رئيساً أو وزيراً أو مديراً هاماً او مسئولا وهميا ، وأن الدنيا كانت خربانة ولا يعمِّرها سواك فإن ذهب نَسَوْه، ورّددوا الكلمات إياها لمن ياتي بعده ، وتصدر عن الأشخاص المهنئين أنفسهم في كل مرة .

قد يقال أن هذا نمطاً من النفاق، ولكن دعني أدلي بدلوي هنا، أني أراه من الإرث التاريخي والثقافة التاريخية منذ زمن الوثنية عبر العصور والديانات إلى يومنا هذا، وهو نمط من أنماط الحفاظ على بقاء هؤلاء الناس وصراع البقاء ، وأيضاً نمطاً من الضحك على اللحى والمسؤولين، ذلك أن المسؤول ـ والكلام عبر التاريخ ـ إذا رأى الوفود تهنئ وترقص وتبتسم، أصابه الغرور وأحبّ هؤلاء الناس وهم في الحقيقة قد لا يحبونه، ووثق بهم وهم لا يثقون به، وخدمهم وهم لا يخدمون إلا أنفسهم، فإن تغنّوا به حسب حضرته أنه صار معبودهم أو معشوقهم الوحيد، والحقيقة أنهم فعلوا ذلك فقط ضمن مبدأ الصراع من أجل البقاء conflict for survival.

بهذه الطرق الذكية، والصمت وقت الصمت، والمدح وقت المدح، والقدح وقت القدح، والضحك على اللحى وقت الحاجة، استطاعت العشائر الأردنية أن تتكيف مع جميع الظروف وأن تبقى رغم تغيُّر الدول والحضارات، والادوار والمهمات وأن توهم كل حضارة ودولة وحاكم وكل احتلال أنه المفضل لديهم، وهم في الحقيقة لا يفضلون إلا بقاءهم ووجودهم واستمرارهم هم وليس اولئك الجاثمين على صدورهم . من هنا لم نجد ثورة أردنية ضد أية دولة عبر التاريخ الا عند الرحيل او كان للشعب الاردني قائد حقيقي مثل ميشع وحدد مثلا ، ذلك أنهم أطوع شعب طيع ( بتشديد الياء ) للشيخ أو القائد أو العقيد war leader، بعكس مانجده في الثورات في البلدان الأخرى . وإذا شعروا (الأردنيون ـ عبر التاريخ) أن أساليبهم بالضحك على هؤلاء ليست سالكة، ولا سوق لها رحلوا شرقاً وغرباً وشمالاً وجنوباً، حتى إذا ما زال الخطر بعد سنوات أو أجيال عادوا إلى بلادهم وكأن شيئاً لم يكن. فهم يراهنون على الزمن دائماً، ولا يواجهون العواصف، بل يذهبون إلى ملاذات آمنة، وهذا تصرف في منتهى الذكاء من أجل البقاء، لأن مجابهة العواصف يؤدي بهم إلى الخسارة وهم لا يريدونها ولا يستطيعونها ..

4. الملفت للنظر تاريخياً، أنه إذا كانت الأردن تابعة إدارياً لبلد خارج ديارها , ولا يترتب على الاردنيين اذى من ذلك , وقفوا موقف اللامبالي وانكبّوا على تأمين حياتهم، فعندما كانوا جزءاً من دمشق أو القاهرة أو بيت المقدس أو نابلس، فلا نجد لهم حركة، وتقتصر احتجاجاتهم على الصمت، واللامبالاة، ولكن إذا كان مركز إدارة الأردن في داخله، في عجلون أو السلط أو الكرك برز الأردنيون تلقائياً والتفوا حول من يجلس على كرسي المسؤولية، ولا يجد منهم تنغيصاً اذا كان محترما معهم محبا لهم ، وإن أرادوا العنف مارسوه ضد بعضهم من خلال الغزو والثأر، أما ضد الدولة القائمة فلا يكون ذلك إلا إذا اعتدت عليهم او كانت في حالة الاحتضار. نقول هذا لنفهم اهمية ذلك في تاسيس الامارة الاردنية الايوبية عام 1229ميلادي . فالمثل الاردني يقول : ( حاكمك لاكمك ) وهذا عندهم منذ زمن العباسيين . وايضا قولهم : ( الدولة سيفها ضافي وقتيلها هافي )

وبالعودة ضمن هذه النقطة إلى الملك الناصر داود وأمه، إذ يبدو أنهما أدركا هذه الميزة لدى الشعب الأردني، فلم ينغّص وجودهم في القلعة أو في البلاد إلا مؤامرات أمراء البيت الأيوبي، أعمام الملك الناصر وأولاد عمّه، الذين عرفوا قيمة وأهمية الكرك والأردن، وأنها أكثر استقراراً وشعبها اكثر موالاة مما هو شعب دمشق والقاهرة، وأن من يجلس على عرشها يهنأ بالحياة بعكس من يجلس على عرش دمشق أو القاهرة حيث لايهنا بعرش ولا يستمتع بحياة .

هذه حقائق تاريخية عن الأردنيين قد لا يدركها البعض، وإن أدركوها لم يتجرأوا لذكرها ولكنني هنا أعطي ما توصلت إليه من نتائج، تحتمل الخطأ والصواب، وفي رأيي أن الصواب فيها أكثر من الخطأ , والاجر لنا في الحالين ان شاء الله تعالى . من هنا نقول ان من اهمية هذا الكتاب ان يقرأه الجميع لانه محصلة دراسات عميقة وتجارب شخصية لعشرات السنين مع شعبنا الاردني الذي احبه .

5. ومن الميزات المتوارثة عبر التاريخ أن الأردنيين كانوا يميزون بين نوعين من الاعتداء، فإن كان من الخارج وقفوا معاً، وتكاتفوا ضمن مبدأSad( أنا وأخوي على ابن عمي، وأنا وابن عمي على الغريب)) . أما إذا كان الاعتداء والقمع من الحاكم في الأردن، وصار منه ذلك ضد فئة أو منطقة أو مدينة، فإن الآخرين يلوذون بالصمت والمشاهدة لفترة محدودة وكانهم راضون بذلك وهم غير راضين اصلا ، وكأنهم يشاهدون مصارعة ثيران أو مهارشة كلاب وهم يتمنون من الضعيف وهو الضحية ان يصرع القوي وهو الدولة ، رغم مشاعرهم "الضد" أو "مع" , ولكنهم قد يتحركون فجأة وبدون سابق انذار لمؤازرة اولئك الضحايا . ورغم الحديث إلا أن ذلك لا يرقى دائما إلى مستوى التصرف والعمل الا بعد حين , ذلك انه شعب متاني جدا , واذا تحرك تحرك مرة واحدة , وبدون مقدمات وبدون سابق انذار . ليس هذا فحسب، بل إنهم دائماً يتظاهرون بالقاء اللائمة على الضحية، فهم يلومون العنز ولا يشتمون الجزار، رغم كرههم للجزار وتمنياتهم الباطنية ان يكون هو الضحية , ثم يأكلون لحمها وهم يتحدثون أنها هزيلة أو جزيلة weak, or fat، ويمتدحون او يلعنون الطباخ والذباح أنه أحسن ذبحها وطبخها. تعلموا ذلك من اجل البقاء وتجنب الابادة عبر القرون .


عدل سابقا من قبل admin في 14/11/09, 02:30 pm عدل 2 مرات
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://SwsLink.yoo7.com
admin
Admin
Admin
avatar

عدد المساهمات : 1123
نقاط : 21628
تقييم الأعضاء للمشاركات : 171
تاريخ التسجيل : 02/05/2009
العمر : 30
الموقع : http://SwsLink.yoo7.com

مُساهمةموضوع: رد: تاريخ الاردن وعشائره   14/11/09, 02:27 pm

وإذا احبوا من يدير الأردن، أو يحكمه ، هبوا جميعاً لطاعته، لجماية الوطن والنفس , وقد ذكرنا كثيراً من الشواهد التاريخية منذ زمن الوثنية "وعبر مراحل التاريخ". وبذلك صارت لدى الأردنيين ثقافة الصراع من اجل البقاء، والبحث عن سلامة النفس "سلامة الرأس" وحتى في العزاء يقولون: يسلم راسك may Allah give safety and protection for your head، لأن الإنسان قد يعيش بيد أو قدم مقطوعة أو مبتورة، لكنه لا حياة له بدون رأس، فسلامة الرأس أولى من سلامة بقية الجسم.

6. كانت وحدة العشيرة أولى من وحدة الوطن، وهذه حقيقة وجدتها عبر تاريخ العشائر الأردنية منذ أعماق التاريخ، فالأردن كان مقسّماً إلى عدة ممالك، وكان هم كل مملكة وحدة شعبها (العموني، المؤابي، الأنباط، الخ) وأما وحدة الوطن فكانت تأتي بالأولوية الثالثة: الأولى الحفاظ على الحاكم، والثانية الحفاظ على وحدة العشيرة، والثالثة الحفاظ على وحدة الوطن ضمن مفهوم ضيق أو عام، فقد كان الوطن بالنسبة للأدوميين يتراوح بين حدود مملكة أدوم وبلاد الأردن بشكل عام، وكذلك كان الأمر بالنسبة لبقية الممالك. اما الان فان وحدة الوطن تاتي بالمقدمة الاولى والحمد لله .

وفي الماضي فإن التمسك بوحدة العشيرة جعلها أكثر قدرة على التحرك، فهي وإن تجزّأت وتفرّقت في البلاد لسبب أو لآخر، كانت تبقى تشعر أنها وحدة واحدة، حتى ولو ابتعدت جغرافياً عن بعضها، ثم إذا ما التقت هذه الأجزاء بعد أجيال، التأمت العشيرة مرة أخرى في وحدة واحدة one unit، ونسيت الشتات، وتذكرت شيئاً واحداً أنها عشيرة واحدة، وقد بقيت هذه الثقافة سائدة، وهي تقديم العشيرة على الوطن حتى سنوات قريبة، حيث بدأت في القرن العشرين صياغة الهوية الوطنية الأردنية بدلاً من هوية العشيرة، حتى أنه عندما حدثت الثورات العشائرية في بداية تأسيس إدارة الانتداب بالأردن لم تتصل هذه الثورات معاً، وبقيت كل واحدة في إطار وحدة العشيرة والديرة وليس في إطار وحدة الوطن والشعب ، وصار من السهل على كتاب الجهات الرسمية الطعن بها على أنها غضب عشائري لسبب خاص بالعشيرة، وليس ثورة وطنية لتحقيق أهداف وطنية.

ومن هنا كان إجهاض هذه الثورات الاردنية زمن الاتراك وزمن الانتداب في إطارين: إطار القمع والقوة والتطويق ليكون الثوار وهم زعماء عشائريون أقوياء، أقول ليكونوا عبرة لمن يعتبر ومن لا يعتبر، ولمن تسوّل له نفسه القيام بمثلها. كما أن المؤرخين الرسميين قمعوا هذه الثورات في كتاباتهم وأجهضوها، وأظهروا خلوّها من الفكر، ونحن نقول أن هذه الثورات الاردنية التي قام بها زعماء عشائريون اردنيون كانت مزيجاً من ثلاثة عناصر: الفكر الوطني، والفكر العشائري، ومشاعر الانتماء للوطن. فهم تحدثوا عن أردنيتهم التي تم اختطافها من الغرباء، وعن عشائريتهم أنهم كانوا زعماء أصحاب اليد العليا فصاروا أمام السلطات عليهم أصحاب اليد السفلى، وكان لديهم مشاعر أن هذه بلادهم وصارت نهباً مقسّماً بأيدي الغرباء في زمن الاحتلال التركي وما بعده .

أما الكتاب الذين نسميهم: الكتاب السلطانيون أو المؤرخون السلطانيون ( اي الذين يتحدثون عن السلطة فقط ويهملون الحديث عن الشعب وزعاماته ) ، فإنهم لم يتحدثوا عن الفكر الوطني والمشاعر الوطنية في هذه الثورات، بل ضخموا السلبية في الجانب العشائري وحده، لإظهارها بمظهر السخافة والبدائية والوحشية والجهل بمفهوم الاوطان ، وهذا ظلم تاريخي، فثورة ماجد العدوان كانت ثورة وطنية اردنية بكل ماتعنيه الوطنية الاردنية وكانت حركة وطنية أردنية، وكان يقودها واحد من الزعامات الأردنية التاريخية وهو الشيخ ماجد العدوان ووالده الشيخ سلطان العدوان رحمهما الله. وكان ماجد مشهوراً في الأردن بأخلاقه وعفته ونزاهته وشجاعته وعراقته، وبالتالي كانت لديه مواصفات الحاكم التي تفوق الغرباء، وقد تحدثنا عن تفاصيل ثورته من شاهد عيان وهو الشيخ المرحوم مشاري النعيمي (رحمه الله) قبل موته بثلاثة أيام وكان مرافقاً للشيخ ماجد، وكان عمر الراوي عندما استمعت إليه يربو على المائة وعشر سنوات في 1987 .

7. إن هذه الأساليب في تعامل الأردنيين مع المحتلين والوافدين قد أوجد عندهم نمطين هامين من التعامل مع الحياة ومع المجتمع

8. هما: التقوقع، والتكافل الاجتماعي.

‌أ. أما التقوقع فهو قدرة الأردني على العيش على أدنى حد من مقومات الحياة، ومقاومة الجوع والمرض والجهل، لذا فإنهم مهما ارتفعت عليهم الأسعار وشحَّت لديهم الموارد، يقولون: الحمد لله نحن بخير، لأن حالهم لم تصل إلى درجة العدم أو المجاعة، وما لم يصل الأردني إلى ذلك، فهو لا يعمل شيئاً إلا الكلام.فالفقر يذل الشعوب والجوع يحركها . ولم نصل الى الجوع الا في سنوات قديمة من هذا القرن والحمد لله

‌ب. أما التكافل الاجتماعي فهو أنهم يعينون بعضهم بعضاً على الحياة، فإذا عض الجوع بنابه شخصاً أو أسرة، قام الآخرون بتزويدهم بقسط من الطعام، وبرؤوس من الماشية تسمى منوحة "feeder"، ولهذه قانون، فإذا ولدت العنز أو النعجة، أرسلوها وحدها أو هي وولدها للعائلة الجائعة وتستفيد من لبنها الموسم كله، وتدّخر منه اللبن اليابس (الجميد) والسمن. وتأخذ الشعر أو الصوف، ويكون لدى الأسرة عدة رؤوس من عدة أقارب أو عائلات، وهي كافية أن تقيم اوده حتى إذا ما غرزت وجف ضرعها أعادوها لأصحابها، بانتظار الموسم القادم. واذا جاء موسم الحصاد او القطاف اوالقصاص ( قص الصوف او قص الشعر ) تعاونوا معا على مساعدة كل واحد وسموها ( عونة ) = اي تعاون بين الجميع كي لايميل الدهر على شخص لوحده فيقتله والقران الكريم يقول ( وتعاونوا على البر والتقوى ولا تعاونوا على الاثم والعدوان ) . والمثل يقول في ذلك ( قوم تعاونوا ماذلوا ) وإذا لم تتوفر للعائلة ركوبة للرحيل، أعطوها حماراً أو جملاً من الميسورين لحمل الأثقال والأحمال، وإذا صارت الوليمة جيء بالأسرة الفقيرة أو الجائعة لتشارك أهل الوليمة طعامهم، وهكذا يبقى الجميع على قيد الحياة، ويتحقق استمرار البقاء. وإن مثل هؤلاء من الفقر والضعف بحيث يصفقون لكل قوة غازية لأن الهدف الأساس هو استمرار حياة هؤلاء الناس، ولا يقاومون المحتل لعجزهم عم مقاومته وليس اعطاء الشرعية لاحتلاله ، وإذا انتهت مدته نهبوه وقتلوه شر نهب وقتل.والمثل الاردني يقول : ( نطلع الاول والتالي ) اي ينتقمون لانفسهم مما كان وما هو ات

من الواضح أن الملك الناصر داود بن الملك المعظم عيسى بن الملك العادل، ملك الكرك وأمه، قد أدركوا هذه الصفات بالشعب الأردني فأحبوه وأحبهم، ووجدوا أنه شعب وادع لا يثور ضدهم ولا يقلقهم طالما انهم يحترمونه ويخدمونه ويعلنون امتنانهم له لما هو عليه من الاخلاص ، وأنه يمكن أن يكون سيفهم الذي به يحررون القدس فيدخل الملك الناصر التاريخ من أوسع أبوابه، ويقهرون ملكي مصر ودمشق، فيذكر التاريخ أن إمارة الأردن قهرت دولتين عظيمتين في عرف ذلك الزمن، وإذا حررت القدس، تكون هذه الإمارة الصغيرة قد تغلبت على القوى الثلاثة الكبرى في المنطقة وهي : دمشق، والقاهرة، والدولة الصليبية في بيت المقدس.

إذن كان هناك التحدي مع الزمن ومع القوى السياسية ومع الملوك من بني أيوب حيث الأخ يكن لأخيه كيداً شريراً، والأب لا يطيق ابنه، والابن ينتظر موت أبيه ليعلو العرش بدلاً منه، وكلهم يحسدون الناصر داود على إمارة الكرك (الإمارة الأردنية) رغم أنها أصغر الممالك مساحة وأقلها سكان وأضعفها موارد ولكنها انقى شعبا واشجع رجالا , ولكن هذه الموارد الاردنية سلمت من الفتك والتدمير والغزوات والفساد المستشري في الممالك الاخرى ، ومن النهب والسرقات التي كانت سائدة لدى أمراء وملوك البيت الأيوبي الاخرين ، من هنا كانت أقوى من سائر الممالك الثلاثة (دمشق، القاهرة، بيت المقدس).

هذا ما كان يتطلع إليه الملك الناصر داود وأمه، وقد ذكر التاريخ تفاصيل حملة من المؤامرات والمصالحات والعداوات بين ملوك وأمراء البيت الأيوبي، حتى أن القارئ يشعر أنه انما يقرأ عن خصومه بين أطفال صغار ، لا عقول لهم ولا فكر عندهم، ولا يفكرون إلا بثلاثة أمور:

1. كيف يدمر كل منهم بقية الملوك والأمراء من أخوته وأبناء عمومته واحيانا ابناءه .

2. كيف يعتلي العرش ويطيح بالآخرين عنه وبكل الوسائل وبغض النظر عن صلة الرحم والقربى .

3. كيف يجمع الأموال والثروات بغض النظر عن المصدر حلالا كان ام حراما : اموال الايتام والارامل والفقراء او غيرهم , اثمان الخيانات او المصادرات .

وبالتالي سلكوا كل السبل المشروعة وغير المشروعة لتحقيق هذه الغايات الثلاثة، لدرجة أن الملك الهامل (الكامل) سلّم القدس للفرنجة للتآمر على أخيه ملك دمشق والحصول على عرش سوريا والخفاظ على عرشه في مصر.

ولنا أن نتخيل صفاقة وخيانة وحقارة وسفاهة هذا الملك الذي باع أولى القبلتين وثالث الحرمين الشريفين بدون مقابل سوى أهداف وهمية في عدم اعتداء الصليبيين عليه ليتفرغ لمحاربة أخيه في دمشق وابن اخي الناصر داود في الكرك ويصبح ملكاً على مصر وسوريا والأردن؟ تخيّلوا سخافته؟ وتخيلوا خيانته ؟

لا نريد أن نخوض بتفاصيل الحملة، وكيف أن الملك الناصر رغم ثقافته العالية، كان لا يفقه بالسياسة، لولا أن والدته كانت توجهه، فيسمع منها، ولولا وجود مجلس استشاري له من زعامات العشائر الاردنية من اهالي الكرك والبلقاء وعجلون ، لكنه سرعان ما تحول إلى ألعوبة بيد أعمامه الملك الهامل (الكامل) في مصر، والأشرف (الذي كان يخلو من الشرف) في دمشق، وذهب الناصر لمقابلة الخليفة العباسي في بغداد لأخذ الشرعية منه أن يكون ملكاً للأردن وعاصمته (الكرك)، وقابله الخليفة سرّاً لكي لا يؤلب الملكين الهامل والأشرف ضده أمام تقدم جموع التتار من آسيا.

وانحاز الناصر لعمه الملك الهامل الذي زار الأردن وأقام الناصر له سرادق في اللجون شمال الموجب ، ولم يأذن له بدخول الكرك، وذهب معه إلى الشام، في قصص طويلة ومملّة لا تهم كتابنا هذا.

ولكن ما يهمنا أن إمارة الكرك الأردنية، وشعب الأردن الذي بقي صامتاً عشرات القرون قد حقق نصراً في التاريخ يفوق التوقعات والإمكانات، ألا وهو تحرير بيت المقدس مرة أخرى، وللمرة الأخيرة، حيث بقيت بأيدي العرب إلى عام 1967 عندما احتلها الإسرائيليون ولا زالوا فيها إلى الآن (2008).

عندما فشل الناصر داود في ضم عرش مصر، أو عرش دمشق إليه، وعندما لم يحصل على الشرعية العلنية من الخليفة العباسي، وعندما وجد أنه المستهدف والمحسود الأول من قبل ملوك وأمراء البيت الأيوبي، وأن كل الابتسامات من أعمامه، وأقاربه ليست إلا خداعاً للإيقاع به وشسما ناقعا ضده ، وأخذ إمارته الأردنية من بين يديه، وجد أن يقوم بعمل نوعي، يصبح الرجل الأول لدى الأمة العربية الإسلامية على من سواه من أبناء البيت الأيوبي في وقته ، وأن يكون صلاح الدين الثاني.

كان الهدف هو تحرير بيت المقدس من الصليبيين، فاستغل المالك الناصر فرصة عنجهيتهم باستيلائهم على قافلة تجارية إسلامية داخل حدود مملكة الناصر الأردنية، وذلك قرب نهر الأردن، وكانت قادمة من مصر في طريقها إلى دمشق، وقد عزز هذه العملية الفرنجية وصول إمدادات صليبية جديدة للقيام بحملات احتلال جديدة لبقية أراضي فلسطين التي كانت جزءاً من الإمارة الأردنية، والاستيلاء على إمارة الكرك، وكان لا بد للناصر من أن يقوم بضربة استباقية قبل أن يتعذر صدّ هذه الجموع، وقبل أن يتحالفوا مع أعدائه من ملوك البيت الأيوبي، وهو أمر كان ممكناً جداً . كان تحركه فوق ما ذكرنا هو نوع من الصراع من أجل البقاء أمام فكي كماشة من الأعداء الأيوبيين والصليبيين الطامعين جميعاً بإمارته وللتخلص من الوحش الصليبي الذي لايقل عن الوحش الايوبي.

ولكي لا يفقد عنصر المباغتة، لم يلجأ الناصر إلى دعم أو مساندة أي واحد من الملوك والأمراء الأيوبيين، خوفاً من الغدر والتأهب الصليبي ضده، واعتمد على الموارد الأردنية الخالصة والعشائر الاردنية وحدها التي كانت مخلصة معه لانها لاتريد غيره ولا تريد احتلالا جديدا لبلادها ، حيث أعدّ جيش إمارته الاردنية من الاردنيين فقط إعداداً جيِّداً وجمع الجنود من سائر العشائر الأردنية من اليرموك إلى تبوك، ومن العقبة إلى الهضبة، وتظاهر بانشغاله في الخلافات الأيوبية، مما طمأن الفرنجة أن الناصر لا يستطيع اقتحامهم، لضعفه، ولأنه معرض لهجوم أعمامه على إمارته وانتزاعها منه، وكان ذلك سبباً من أسباب النصر، ونجاح المباغتة.

كان الجيبش الاردني الذي يقوده الملك الناصر يتالف من سائر العشائر الاردنية التي شاركت في معركة حطين وقد توحدت على ارض فلسطين , حيث ان الاردنيين الذين بقوا هناك ساعدوا اقاربهم الذين جاءوا مع الجيش الاردني واطبقوا على الصليبيين في عملية انسجام وجهاد منقطع النظير . ولا داعي كما قلنا لاعادة ذكر هذه العشائر لانها مذكورة بالتفصيل في معركة حطين سابقا .

وكان من أسباب النصر أيضاً، الصورة العامة المأخوذة عن العشائر الأردنية، أنها لا تدخل في الصراعات بين القوى المتحاربة، وتقف موقف المتفرج، لكن هذه العشائر، وقد وجدت القائد الملك (الناصر) واعتبروه واحداً منهم , فقد ساروا معه وأخلصوا إليه من اجل الاردن ومن اجل مصلحتهم , فضلاً عن نقل نقطة الصراع إلى خارج أراضيهم بدل انتظار العدو ليخوض معركته معهم فوق أرضهم وبذلك تكون النساء والأطفال والزروع والأموال سليمة من الأذى، لأن لهيب المعركة سيطال القدس وما حولها.وارض المعركة خارج ارض الاردن .

انقسم الجيش الاردني إلى فرق، وكل فرقة من عشيرة اردنية حتى لايسجل اي منهم هزيمة وعارا امام الاخرين من اقاربه ، وكل عشيرة ترفع لواء خاصَّا بها يسمونه البيرق وهم يغنون الاغنية التي تم تجديدها في منتصف القرن العشرين بنص الكلمات نفسها

بيرق الوطن رفرف على روس النشاما

ومن الاهازيج التي بقيت الى يومنا هذا وكان الجيش الاردني يرددها في معركته تلك

والاردن يامهيرة اصيل == عيوا عليها رجالها

نحمي جواره والدخيل == بالدم نروي ترابها

وان مال قلبي له يميل == هني من شم ترابها

والكرك ياعين الصقر == شامخ من فوق هضايها

وهما ( البيرق والنشامى ) الاصطلاحان اللذان لازالا الى الان ، وعيَّن لكل لواء جانباً من مدينة القدس يمنع أي تدفق او هروب صليبي من الداخل إلى الخارج، وتحرير الجانب الذي يليهم، وانتظر الملك الناصر وجيشه الأردني إلى ليلة من ليالي أعياد النصارى وهم مشغولون بالأفراح، والرقص والغناء والخمر حسب عاداتهم المختلفة، وليس فس حسابهم ابدا ان الامارة الاردنية الضعيفة ستحرر القدس مرة اخرى وتقهر قوات الصليبيين . فشنَّت القوات الأردنية هجوماً من جميع الجهات ودكَّت حصون القدس بالمنجنيق، وأشعلت النيران في قلعتها، فما كان من الفرنجة إلا ووجدوا أنفسهم أمام حرب حقيقية وجيش منتظم، وهم في غفلة من أمرهم، فرفعوا رايات الاستسلام بنفس الليلة، وفاوضوا الملك الناصر للخروج من القدس.

لقد تعلم الناصر درساً مما حدث لصلاح الدين، وأراد التخلص من الفرنجة سراعاً قبل أن تصل إليهم نجدات صليبية أو يهاجم الملوك الأيوبيين إمارته الأردنية، فوافق على خروج الفرنجة من القدس برؤوسهم لا يحملون مالاً ولا سلاحاً ولا متاعاً، وتم ذلك سراعاً، وبما يشبه الخيال والمسلسلات. وبذلك جرى تحرير القدس بعد حصار دام ثلاثة أسابيع، ودخل امير شرق الاردن الايوبي الناصر إلى القدس فاتحاً ومحرراً في جمادى الأولى عام 637هـ، كانون الأول 1239م وعادت القدس إلى عروبتها وإسلامها بعد عشر سنوات من تسليم الملك الهامل (الكامل) لها إلى الإمبراطور فردريك. عادت على ايدي الجيش الاردني الباسل وهذه حقيقة التاريخ .

كان هذا الفتح االمبين مفاجأة للناس والحكام والملوك، لأنه جاء على أيدي الملك الاردني الكركي وجيشه الأردني وحده ، بدون الاستعانة أو التنسيق مع أمراء وملوك البيت الأيوبي الآخرين، وقد كان هذا الخبر عظيماً في نفوس المسلمين، واحتفلوا في كل مكان لتحرير القدس مرة أخرى، وصارت شعبية الاردن وشعبه والملك الناصر والجيش الأردني تتقدم على سائر الجيوش والشعوب والملوك والأمراء من بني أيوب والأعاجم الآخرين، وأرسل الناصر البشائر للخليفة العباسي المستنصر بالله، يعلمه بالفتح المبين، ويقدم له الموالاة والطاعة، وتبارى الشعراء في مدح الملك الناصر ووضعه في مصاف القائد السلطان صلاح الدين الأيوبي رحمه الله.

وبعد هذا الفتح صارت إمارة الكرك الأردنية تضم شرق الأردن وسائر أملاك مملكة القدس، وبقية فلسطين، وصارت الكرك عاصمة لهذه المملكة الأردنية للقطرين الاردني والفلسطيني ، وبذلك كانت هذه أول مملكة تضم البلدين تحت علم اردني واحد وملك اردني واحد وجيش اردني واحد، وعاصمة اردنية واحدة ( وهي الكرك ) وقضية اردنية واحدة وهي قضية العروبة والاسلام والقدس والاردن .؟

من هنا فان للاردنيين الشرف انهم شاركوا بالعلمليات الجهادية التالي :

1= دورهم ومشاركتهم في تحرير فلسطين وايلياء ( القدس ) عندما انضم الاردنيون من الشراة ومؤاب الى جيش عمرو بن العاص في فتح فلسطين ومصر وشمال افريقيا والاندلس فيما بعد .

2= دورهم في معرك مؤتة وطبقة فحل واليرموك وتحرير سوريا من الاحتلال البيزنطي بعد تحرير الاردن كما سبق وفصلنا ذلك . فكلما جاء جيل نقل للذي يليه ضمن الذاكرة الجماعية ماقام به الاولون , ونحن هنا نذكر الجميع عبر التاريخ , ونحن فخورون بابائنا واجدادنا على نضالهم وجهادهم ليتذكرهم ابناؤنا واحفادنا من بعدنا .

3= دورهم في معركة حطين وكان دورا رائدا ومميزا . واشار اليهم المؤرخون بثلاث كلمات هي : المشاة والفرسان والمتطوعون . والمتطوع عادة يكون من اهل البلاد ويعمل عن عقيدة وليس من اجل الراتب او المكاقئات , وهذا مانطبق على الاردنيين في تلك المعركة حيث كانت النساء الاردنيات يخبزن للمتطوعين والجيوش , وكان قسم من الاردنيين يقدمون الطعام واللحم والماء واللبن والاسعاف لانجاح المعركة واخر في لهيب المعركة .

4- دورهم في تحرير فلسطين من العلوج الفرنجة وتطهير المدن والبلدات الفلسطينية وخلافهم مع صلاح الدين وتبين فيما بعد ان رايهم اصوب من راي صلاح الدين في ضرورة قتل الاسرى والملوك والقادة لكي لايتجمعوا مرة اخرى ويحاربوا المسلمين . ولكن ضرب الفاس بالراس وذكرنا انتقادات المؤرخين لصلاح الدين في هذا الامر .

5- دورهم الان في تحرير القدس بعد ان باعها الملك الايوبي الهامل ( الكامل ) عليه من الله مايستحق .

ومن اللافت للنظر أن هذا الفتح الاردني المبين قد جلب حسد البيت الأيوبي للملك الناصر بل حسدا بامتياز ، فتكالبوا عليه، وتوّرط هو مرة أخرى بالخروج عن الثقافة الأردنية القائمة على عدم التدخل بين القوى المتصارعة، لكنه تدخل في الصراع بين ملوك الشام، وملوك مصر ومماليكهم، فأمضى سنوات طويلة من الحروب والصراع مع أقاربه، الذين استعانوا بالفرنجة ضد بعضهم بعضاً، والذين عرضوا على الصليبيين إعادة القدس وفلسطين والكرك والشوبك إليهم لقاء دعمهم ضد بعضهم بعضاً، وضد الملك الناصر داود. لقد كان البيت الايوبي بيتا متهالكا كبيت العنكبوت وكانوا كالاولاد الصغار يلعبون بدماء الشعوب العربية ويفضلون الفرنجة وتسليم القدس على ان يتميز اي منهم على الاخر , فظهر مثل اردني يسميهم : ) عيلة مثل قاع الكيلة ) , وظهر مثل اردني يصف الايوبيين يكلمات لازالت الى الان تستخدم بين الاردنيين وبخاصة في البلقاء Sadشيخة اولاد وحكم اكراد ) اي انهم عبارة عن اولاد صاروا شيوخا/ اي ملوكا وانهم صاروا حكاما وهم لايستحقون الحكم والسيادة . والبعض يعتقد انه مثل اردني حديث ولكنه ليس كذلك وانما يعود الى تلك الحقبة . اي انهم يحكمون بلادا عربية وشعوبا عربية لايتفقون معهم في الاراء والثقافة , وانهم لايريدون الا الحكم فقط وباي ثمن وعلى حساب الدين والشرف واعراض المسلمين / باستثناء الناصر داود الذي تعلم الاخلاق والشرف والاخلاص من الاردنيين . فالاردنيون مدرسة ليس في الرجولة والسياسة فحسب , بل وفي الاخلاق والذوق والاخلاص والشجاعة والقيم والكرامة .وان وجود الاردنيين في حطين قد صنع لصلاح الدين مجدا لان حطين معركة اردنية بامتياز مكانا وجنودا وخططا وجبهة وتحركات جيوش اسلامية .

نحن لانقول هذا تعصبا وانما هي الحقيقة

كان هدف الملك الاردني الناصر أن يضم دمشق إلى مملكته الأردنية مثلما فعل الانباط من قبل ، ولكنها جهود كان أمامها رفض أيوبي، ودماء وخطايا وقتل وتشريد .

وهنا برز دور المماليك في هذا الصراع في تأييد ملك ضد ملك ليتخلصوا منهم جميعاً. لقد كان المماليك قوة وعددا وقد عرفوا نقاط القوة والضعف عند الاسة الايوبية الحاكمة ,وعرفوا ان الاردن هي اساس النصر او الخسارة , وكانوا مجموعات من المرتزقة وكل ملك ايوبي محاط باعداد منهم لحمايته ضد اخوته وابنائه واقاربه . كانت الاسرة الايوبية قد فقدت احترامها وهيبتها تماما .

فقد ظهر المملوك عز الدين أيبك، والمماليك الكاملية نسبة للملك الكامل (الهامل لانهم كانوا مملوكين له ) الذين وقفوا ضد الملك العادل بن الهامل وساندوا أخاه الملك الصالح بن الهامل ملك دمشق وبالفعل اعتقلوا الملك العادل، وحضر الملك الصالح ومعه الملك الأردني الناصر بن داود، وأرسل ملك مصر قوات لاحتلال الأملاك الأردنية في فلسطين فهزمته القوات الأردنية الباسلة التابعة للملك الناصر.

لا بد من القول هنا، أن دور المماليك البارز قد ألقى الضوء لحل الصراع على السلطة في الجيش المصري الذي كانت تتقاذفه الصراعات حسبما هي صراعات البيت الايوبي ، ومثل هذا الصراع والتنافر والتناحر كان مهيمنا على الجيش الشامي ولكن بدون المماليك . أما الجيش الأردني فكان موحّداً، لم ينقسم إطلاقاً ومتجانساً حيث انه من ابناء العشائر الاردنية وخال من المرتزقة ، وخالياً من المماليك والغرباء، وهنا تكمن قوته، وفي الانقسام والتناحر يكمن ضعف الجيشين الشامي والمصري. كما أن قلعة بني عوف في عجلون التي كانت تابعة للجيش الاردني والعاصمة الكرك , قد قامت بدور هائل، وصارت تستولي على قوافل الشام والفرنجة، مما زاد من ثروة إمارة الكرك الأردنية، وقد صمدت قلعة بني عوف في عجلون أمام هجمات قوات دمشق وكان دور بني عوف والمومنية والصمادية وعشائر قضاعة وعلى راسهم الفريحات والعنانبة والقضا والرشدان وبني حماد ( الذين جاءوا من الكرك بعد معركة حطين , وبني عتمة ( العتوم / جذام ) وخيط اللبن الدور التاريخي في المحافظة على وحدة عجلون مع بقية الاراضي الاردنية وحماية التراب الاردني .

وبلغت الصراعات الأيوبية، والبحث عن كرسي العرش الملكي أن قام الملك الصالح ( الطالح عليه من الله مايستحق ) إسماعيل ملك دمشق بتقديم القدس وفلسطين للصليبيين ( مرة اخرى بعد تحريرها من الاردنيين ) مقابل وعد منهم لدعمه باخذ ملك مصر من أخيه، وبالفعل تسلمها ( القدس ) الفرنجة للمرة الثالثة في صيف 641هـ/ 1243م، بدون قتال، بل برداً وسلاماً . حررها الاردنيون وباعها الايوبيون . حررها الاحرار وباعها عبيد الكراسي المرتزقة , حررها الرجال وباعها الاتذال , حررها محبوا الرؤس المرفوعة واهل الكرامة , وسلمها عشاق الخازوق الخشبي المسمى عرش مصر انذاك . حررها الاردنيون بالدماء وباعها الملك الطالح الملقب زورا بالملك الصالح بالاوهام الدنيوية , باعها من اجل الجلوس على عرش مصر , والتامر على اخيه . حررها اسود البادية والصحراء ابناء الاردن / ابناء العشائر الاردنية وراحت على مائدة الخونة والعملاء من البيت الايوبي , كما بيعت الاوطان العربية عبر التاريخ في ماخور او سرير غانية تبيع جسدها مقابل اخذها للاوطان . حررها اخل الجباه السمراء وباعها اصحاب الوجوه السوداء , حررها اولاد امهات المدارق وباعها اولاد الجواري . حررها : عقبان فوق الهجن وااسود خيالا وباعها الجراذين التي تنقل طاعون الخيانة .

انني اشعر بالحزن ان القدس الشريف رخيص الى هذه الدرجة عند الايوبيين بل اعقاب الايوبيين . وارى ان الملك جاء لهذه العائلة قدرا لصلاح الدين واما ماسواه فهم لايستحقون الا الملك الناصر داود الذي تربى على الاخلاق الاردنية والكرامة الاردنية والماء الاردني والقمخ الاردني . كان عليهم ان يتربوا في المدرسة الاردنية / مدرسة العشائر الاردنية ولكنهم ادنى من يتشرفووا بهذا الشرف العظيم او ان ينالوه , فالاردنية شرف لايطاله هؤلاء حتى ولو وضعوا التيجان وجلسوا على العروش .

وننقل هنا منا قاله شاهد عيان، وهو المؤرخ ابن واصل، حيث يقول:

"ودخلت البيت المقدّس، ورأيت الرهبان والقسوس على الصخرة المقدسة وعليها قناني (زجاجات) الخمر برسم القربان، ودخلت الجامع الأقصى وفيه جرس معلق، وأُبطل في الحرم الشريف الأذان والإقامة".

من هذا الحدث يتبيّن أن ملوك وأمراء البيت الأيوبي، لم يكن يهمهم وطن ولا دين ولا تاريخ، ولا شرف، ولا كرامة ولا عروبة ولا اسلام ولا قومية كردية ، لأنهم فقدوا هذه الأحاسيس كلها، كان هم كل واحد منهم أن يكون ملكاً يجمع الشام ومصر والأردن، وبدلاً من أن تكون بيت المقدس والمسجد الأقصى محرمات قصوى والتفريط فيها من الموبقات السبع , ولا يجوز الاقتراب منها أو المساس فيها، صارت بايديهم ورقة رخيصة للبيع والشراء، واسترضاء الصليبيين ليقفوا مع هذا الملك ضد أخيه وابن أخيه، وامتلأت قلوب الأيوبيين حقداً على بعضهم بعضاً، إلى درجة أن القدس لم تبق بالأيدي الإسلامية بعد تحريرها على ايدي الاردنيين إلا أربع سنوات من 1239م ـ 1243م.

هناك مثل أردني يقول كثر الطرفقة تكسّر الجنحان

Continuity of random movement of wings will make them broken. i.e.: unwise decisions would make disasterous result for a person،

وينطبق هذا المثل على الناصر داود، فعندما قنع بإمارته الأردنية حقق أهدافاً استراتيجية استعصى تحقيقها على الملوك والسلاطين الأيوبيين من غير صلاح الدين، وهي:

1. إقامة كيان سياسي مستقل للأردن وعاصمته الكرك لمدة حوالي ربع قرن،

2. تحرير القدس بقوات أردنية خالصة مما أثار عليه الحسد من سائر أمراء البيت الأيوبي.

3. إدخال إمارة الأردن على الخارطة السياسية بحيث باتت هي نقطة التوازن بين مصر والشام والصليبيين .

4. تعذر اتخاذ أي قرار استراتيجي أيوبي بدون الملك الناصر, مما حوله الى مفتاح لاي قرار وحول الاردن الى قوة استراتيجية هي صاحبة الحزم في القضايا المصيرية للامة برمتها

وبالمقابل مارس الناصر حياة المتناقضات ايضا التي لاتليق بالكرامة الاردنية

حياة العلم والطرب، حياة الاستقلال والتبعية، حياة الاستقرار والحركة، حياة الحياد والانحياز، إلا أن موت والدته، وتوقفه عن سماع اراء مجلس الدولة الاردني واستئثاره بالقرارات دون السمع من الاردنيين او الرجوع اليهم . وبالتالي خروجه عن ثقافة الأردنيين التي تلتزم الابتعاد عن الاشتراك في قوى الصراع، أوقعه في الفخ .

وزاد الطين بلة تعدد زوجاته، وتعدد أولاده من هذه الزوجات، فانتقل خلاف الزوجات إلى أولادهن، وانتقل حبه لزوجته التركية إلى إيثار أصغر أولاده وهو منها على أولاده من ابنة عمه. وصار صراع النسوان يتحكم بمصير الامارة والحكم , وهو يتصرف بصورة غير متوازنة لانه استبعد الاردنيين الذين اوصلوه وحموه ورفعوه , فصار المثل الاردني : ( لقد صرنا مثل خبز الشعير ماكول ومذموم ) ولا زال ساريا الى الان بالاردن .

قام الناصر بتعيين نائب له في الكرك، ولده الأصغر ابن التركية وهما ( التركية وابنها ) الأحب إليه مما أثار حفيظة زوجته الأخرى ( ابنة عمه ) وولداها اللذان راسلا ملك مصر أثناء غياب أبيهما في حلب، وسجنا أخاهما، وسلّما الكرك لعمهما وما فيها من الذخائر والأموال، وانتقلا إلى القاهرة، وضاع ملك الملك الناصر داود بانقلاب ولديه عليه، فلجأ إلى الخليفة العباسي ببغداد الذي لم يدعمه، وعاد الملك الناصر داود مشرَّداً في البادية وعاش في قرية البيضاء جنوب دمشق وبها مات غمّاً وكمداً بعد أن ضاع ملكه . لقد ضاع ملكه عندما اضاع الراي الاردني من حوله وعندما صار اسيرا لزوجته التركية وتعيين ولدها الذي تحول الى سجين في القلعة وضاع الناصر وضاعت انجازاته . مات يوم السبت جمادى الأول 656هـ/ الأول من حزيران عام 1258م، عن عمر ناهز ثلاثاً وخمسين سنة. لقد خسر ملكه عندما خسر امه التي كانت تلزمه باللجوء الى الاردنيين في كل شيء , ولانه فقد مقومات الحكم وهي الشرعية التي كان الاردنيون يحمونها واهمل الاردنيين فاهملوه , فصار مشردا الى ان مات مشردا هائما على وجهه .

لقد ضاع ملكه بسبب قرار أرعن وهو ايثار زوجنه التركية وولدها , وكانت تتدخل بشئون الحكم مما خلخل المعادلات والتوازنات والب الاردنيين عليه , ومما أدى إلى انقلاب ولديه عليه ( وهما اولاد ابنة عمه ) ، وإلى موته في دار الاغتراب بعد سجنه في حمص، وتشرّده في البادية، وإذلاله وبذلك نجد أن البيت الأيوبي لا يرعوي أن يتآمر الأب على ابنه والأخ على أخيه بشكل مقزز , ويدل على انهم ليسوا بيت ملك ( بضم الميم ) وانما هو القدر الذي جاء بصلاح الدين وما عداه ليسوا الا مجموعة من قطاع الطرق وما يمكن ان نسميهم اليوم : محموعة زعران وصلوا الى الملك او وجدوا انفسهم في الملك , ولم يحافظوا عليه لانهم ليسوا اهل كار كما يقول المثل الاردني ( اللي ماهو كاره ياناره ) ( واللي ماهو في اوانه ياهوانه ) .

واختفت قوة الكرك والأردن من ساحة الأحداث في اواخر حياة الناصر داود وهو في المنفى متشرّداً، حيث استلمها الملك الأيوبي المغيت الذي كان سجيناً بالشوبك، وبايعته حاميتا الشوبك والكرك، واعتلى المغيث عرش الكرك عام 1250مم، وأعاد لها سابق عهدها، ولكنها بدأت تلعب دوراً جديداً في زمنه ، وهو التوازن بين الأيوبيين في الشام والمماليك في مصر. ولكن المغيث وقف مع الملك الأيوبي الناصر يوسف ملك الشام الذي عيّن المغيث نائباً له في الكرك، وسار ملك الشام بجيش للإطاحة بالملوك عز الدين أيبك زوج الأرملة المملوكة شجرة الدر، الزوجة السابقة للملك الأيوبي صالح نجم الدين آخر الملوك الأيوبيين في مصر والتي تامرت على زوجها الملك صالح لانه كان ينوي الزواج عليها وتزوجت مملوكه عزالدين ايبك وسلمته ملك مصر .

وبذلك ظهر المماليك بينما بقيت الشام بايدي الايوبيين .

صارت الكرك والشوبك ورقة مساومة بين المماليك في مصر والأيوبيين في الشام وكل يرى أنه إذا سيطر عليها ملك الديار الأخرى وعزّز سلطته في دياره، وهو أمر لا يخلوا من الحقيقة، وكان الصراع ما بين أول رأس يظهر للمماليك في مصر، وهو السلطان أيبك، وزوجته شجرة الدر أرملة الملك الصالح نجم الدين الأيوبي، والتي تزوجت من أيبك وأنجبت منه ولداً صار بدوره وليّاً للعهد، لكنها قتلت زوجها المملوك عز الدين ايبك مثلما قتلت زوجها الملك الطالح ( الصالح ) الأيوبي من قبل، أما قتلها لأيبك فهو بسبب نيته بالزواج من إحدى الأميرات الأيوبيات في الشام. وبعد أن قتلته وأسندت السلطة لولدها، ثار عليها المماليك وقتلوها بالاحذية وألقوا بها من فوق سور القلعة، وانتهت بعد أن كانت الحاكم الحقيقي في زمن آخر ملك أيوبي، وأول سلطان مملوك.















I miss the place where we sat and talked till dawn.
I miss your name so much. I repeat it to myself everyday!! I miss the dreams that we dreamt of.
I miss the hopes that we hoped together






يا رب لي همٌ كبير


الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://SwsLink.yoo7.com
admin
Admin
Admin
avatar

عدد المساهمات : 1123
نقاط : 21628
تقييم الأعضاء للمشاركات : 171
تاريخ التسجيل : 02/05/2009
العمر : 30
الموقع : http://SwsLink.yoo7.com

مُساهمةموضوع: رد: تاريخ الاردن وعشائره   14/11/09, 02:39 pm

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://SwsLink.yoo7.com
 
تاريخ الاردن وعشائره
الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
شباب وصبايا لنك :: منتديات الاردن :: قسم العشائر الأردنية-
انتقل الى: